موقع الإسلام سؤال وجواب
كيف التوفيق بين قوله تعالى ما كان محمد أبا أحد من رجالكم وحديث إن ابني هذا سيد
[السُّؤَالُ]
ـ[يقول الله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) وعند البخاري وغيره يقول ﷺ في حق الإمام الحسن ﵁: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين) سؤالي رعاك الله: هل يصح أن نقول إن الإمام الحسن أو الحسين أبناء النبي ﷺ لما سبق من قوله ﷺ؟ أم إنهم يدخلون في عموم قوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم. . الآية) فيما يخص النهي عن التبني بشكل عام، ويدخل فيه تبني رجل أحدا ليس من صلبه مباشرة، وإن كان من سلالته وإن نزلت؟ وهل منزلة البنوة التي أثبتها ﷺ في الحديث المذكور آنفًا حقيقية أم مجازية؟ وفقكم الله، وفتح عليكم من واسع فضله وعلمه.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
ليس بين الآية والحديث تعارض والحمد لله، وإنما يقوم التعارض في ذهن بعض السامعين بسبب عدم تمكنهم من تصور مقصود السياق تصورًا تاما.
فالآية الكريمة إنما تتحدث عن شأن زواج النبي ﷺ من زينب بعد أن طلقها زيد بن حارثة الذي كان قد تبناه النبي ﷺ قبل تحريم التبني، فأنزل الله تعالى هذه الآيات الكريمات ليزيل ما قد يقع في قلوب بعض الناس من إنكار زواج النبي ﷺ من زوجة ابنه بالتبني سابقا، فذكر ﷿ أن التبني باطل، وأنه لا تنبني عليه أحكام أبوة النسب الحقيقي، فقال ﷿:
(وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨) الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) الأحزاب/٣٧-٣٩.
ومعلوم أنه ولد للنبي ﷺ أربعة من الأولاد الذكور، وولد له حفيدان اثنان من ابنته فاطمة ﵄، وليس هؤلاء الأولاد محل إشكال ولم يدخلوا في النفي أصلا، لأسباب عدة:
١- أن سياق الآيات لا يقصدهم أصلا، بل يقصد نفي وجود أبوة نسب بين النبي ﷺ وبين أحد من المسلمين كي لا تنكر قلوبهم زواجه من زينب ﵂، ولذلك جاءت الآية بلفظ الخطاب فقال: (من رجالكم)، فلا يدخل فيه أصلا أبناء النبي ﷺ.
٢- أن أبناءه الذكور ﷺ ماتوا جميعا قبل بلوغ الحلم، وهذا من حكمة الله ﷿، لما في ذلك من تقرير ختم النبوة بمحمد ﷺ، ونفي توهم كون النبوة تنتقل بالوراثة بين الأب وأبنائه، وأما الحسن والحسين فهما وإن كانا من أحفاده ﷺ لكنهما لا ينتسبان إليه من جهة الأبوة، بل ينتسبان إلى أبيهما علي بن أبي طالب ﵁، ولذلك كان بقاؤهما أحياء بعد وفاة النبي ﷺ من حكمة الله ﷿ أيضا، فلم يدَّعِ أحد لهما النبوة بعد جدهما من أمهما النبي ﷺ، فلا تعارض مع نفي أبوة النبي ﷺ لأحد من رجال المسلمين.
٣- ثم إن الآية نفت أبوة النبي ﷺ الحقيقية لأحد من المسلمين، وليس الأبوة المجازية، وأبوة الرجل لأحفاده من جهة ابنته أبوة مجازية، بل أبوة النبي ﷺ لسائر المسلمين أبوة مجازية، وفي تفسير بعض الصحابة لقول الله تعالى: (وأزواجه أمهاتهم) قال: وهو أب لهم.
وننقل هنا كلام أهل العلم في هذه الآية، وفي بعضه جواب عن التعارض الذي عرض للسائل الكريم:
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
" وقوله: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) نهى تعالى أن يقال بعد هذا: " زيد بن محمد " أي: لم يكن أباه وإن كان قد تبناه، فإنه صلوات الله عليه وسلامه لم يعش له ولد ذكر حتى بلغ الحلم؛ فإنه ولد له القاسم، والطيب، والطاهر، من خديجة، فماتوا صغارا، وولد له إبراهيم من مارية القبطية، فمات أيضا رضيعا، وكان له من خديجة أربع بنات: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، ﵃ أجمعين، فمات في حياته ثلاث، وتأخرت فاطمة حتى أصيبت به، صلوات الله وسلامه عليه، ثم ماتت بعده لستة أشهر " انتهى.
" تفسير القرآن العظيم " (٦/٤٢٨)
ونحوه في " معالم التنزيل " للبغوي (٦/٣٥٨)، و" اللباب " لابن عادل (١٥/٥٥٧) .
وقال بهاء الدين ابن قدامة (٦٨٢هـ) ﵀:
" وقول النبي ﷺ للحسن: (إن ابني هذا سيد) – رواه البخاري (٢٧٠٤) - مجاز بالاتفاق، بدليل قول الله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله) " انتهى.
" الشرح الكبير " (٦/٢٢٤)
ويقول ابن حجر الهيتمي ﵀:
" فقوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) إنما سيق لانقطاع حكم التبني، لا لمنع هذا الإطلاق المراد به أنه أبو المؤمنين في الاحترام والإكرام " انتهى.
" الصواعق المحرقة " (٢/٤٦٢)
وجاء في " الدرر السنية " (١٣/٣٦٨):
" وسئل أيضا الشيخ عبد الله بن الشيخ عن قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ) سورة الأحزاب آية/٤٠ هل هذه الآية قطعت كون رسول الله ﷺ والدا للحسن والحسين، مع ما ورد من الأحاديث الدالة على تسميتهما ابنين له؟
فأجاب:
سبب نزول الآية يزيل هذا الإشكال ; وذلك أنه ذكر المفسرون: أن رسول الله ﷺ لما تزوج زينب قال الناس: تزوج امرأة ابنه، وأنزل الله هذه الآية – يعني: زيد بن حارثة – يعني: لم يكن أبا لرجل منكم على الحقيقة، حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح.
فإن قيل: قد كان له أبناء: القاسم، والطيب، والطاهر، وإبراهيم، وقال للحسن: (إن ابني هذا سيد)؟
فالجواب: أنهم قد خرجوا من حكم النفي بقوله: (من رجالكم)، وهؤلاء لم يبلغوا مبلغ الرجال.
وأجاب بعضهم: بأنه ليس المقصود أنه لم يكن له ولد فيحتاج إلى الاحتجاج في أمر بنيه بأنهم كانوا ماتوا، ولا في أمر الحسن والحسين بأنهما كانا طفلين، وإضافة (رجالكم) إلى المخاطبين يخرج من كان من بنيه، لأنهم رجاله لا رجال المخاطبين " انتهى.
والله أعلم.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
3 / 134