336

فلما أبطأ عليه عمد إلى الحديدة التي في الرمح فسمها سما ناقعا وجعلها في عصا، وقال لأحد رجاله: ضعه على ظهر قدمه واتكئ عيه حتى يدخل، فإنت قال: أهلكتني، فقل: ما علمت أن رجلك هاهنا، ففعل ذلك ثم خرج عنه فاشتعل جسد ابن عمر سما فأقام ثلاثة أيام فمات، رحمة الله عليه.

ودخل الحجاج على ابن عمر يعوده قبل موته، فقال ابن عمر: أنت قتلتني، حسبنا الله ونعم الوكيل.

ومن الذين آذوا في سبيل الله وقتلوا سعيد بن جبير وقصته أشهر من تذكر فلا نطيل بذكرها، وكان قد دعا من قبل أن يذبحه الحجاج، فقال: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي.

وقيل: إنه عاش بعد قتله لسعيد ستة عشر يوما فقط وقعت الآكلة في بطنه، وكان ينادي في بقية حياته مالي ولسعيد بن جبير كلما أردت النوم أخذ برجلي.

وقيل: دعا عليه بالزمهرير البرد العظيم، فكانوا يجعلون حوله الكوانبن تلتهب جمرا مع ما عليه من الثياب التي يدثرونه بها.

فما زال في العذاب الأليم، ثم أرسل في طلب الحسن البصري التابعي المشهور، فأتاه واشتكى إليه ما نزل به من الألم، فقال: قد نهيتك مرة بعد أخرى لا تتعرض للصالحين، ولا تكن منهم إلا بسبيل خير، فأبيت ولججت {ليقضي الله أمرا كان مفعولا}.

وذكر في كتاب «المحن»: أن الحجاج أرسل إلى أبي صالح ماهان المسبح، فلما أتاه، قال: بلغني عنك صلاح وخير وإني أريد أن أوليك القضاء.

قال له: أنا، قال: نعم، قال: أنا لا أحسن أعد عشرة، قال: يا مرائي علي تتباله، وقال: والفرات قد مد فعدا من بين يديه وهو شيخ كبير يجنح حتى وقف على جرف الفرات، فقال: اللهم إن كنت مرائي كما زعم الحجاج فغرقني، قال: فرمى بنفسه، فقام على متن الماء فلم تغب قدماه، قال: فوالله ما نهنهه ذلك فأخذه وصلبه على بابه.

صفحة ٣٣٧