الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف
محقق
عبد الفتاح أبو غدة
الناشر
دار النفائس
الإصدار
الثانية
سنة النشر
١٤٠٤
مكان النشر
بيروت
مُقَدّمَة
الْحَمد لله الَّذِي بعث سيدنَا مُحَمَّدًا صلوَات الله عَلَيْهِ إِلَى النَّاس ليَكُون هاديا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا ثمَّ ألهم الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَالْفُقَهَاء الْمُجْتَهدين أَن يحفظوا سير نَبِيّهم طبقَة بعد طبقَة إِلَى أَن تؤذن الدُّنْيَا بِانْقِضَاء ليتم النعم وَكَانَ على مَا يَشَاء قَدِيرًا وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن سيدنَا مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله الَّذِي لَا نَبِي بعده صلى الله عَلَيْهِ وَآله وَصَحبه أَجْمَعِينَ
1 / 13
أما بعد فَيَقُول الْفَقِير إِلَى رَحْمَة الله الْكَرِيم ولي الله بن عبد الرَّحِيم أتم الله تَعَالَى عَلَيْهِمَا نعمه فِي الأولى وَالْأُخْرَى إِن الله تَعَالَى ألْقى فِي قلبِي وقتا من الْأَوْقَات ميزانا أعرف بِهِ سَبَب كل اخْتِلَاف وَقع فِي الْملَّة المحمدية على صَاحبهَا الصَّلَوَات والتسليمات وَأعرف بِهِ مَا هُوَ الْحق عِنْد الله وَعند رَسُوله ومكنني من أَن أبين ذَلِك بَيَانا لَا يبْقى مَعَه شُبْهَة وَلَا إِشْكَال
ثمَّ سُئِلت عَن سَبَب اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ فِي الْأَحْكَام الْفِقْهِيَّة خَاصَّة فانتدبت لبَيَان بعض مَا فتح عَليّ بِهِ ساعتئذ بِقدر مَا يَسعهُ الْوَقْت ويحيط بِهِ السَّائِل فَجَاءَت رِسَالَة مفيدة فِي بَابهَا وسميتها الانصاف فِي بَيَان أَسبَاب الِاخْتِلَاف
وحسبي الله وَنعم الْوَكِيل وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
1 / 14
بَاب أَسبَاب اخْتِلَاف الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ فِي الْفُرُوع
إعلم أَن رَسُول الله ﷺ لم يكن الْفِقْه فِي زَمَانه الشريف مدونا وَلم يكن الْبَحْث فِي الْأَحْكَام يَوْمئِذٍ مثل بحث هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاء حَيْثُ يبينون بأقصى جهدهمْ الْأَركان والشروط والآداب كل شَيْء ممتازا عَن الآخر بدليله ويفرضون الصُّور من صنائعهم ويتكلمون على تِلْكَ الصُّور الْمَفْرُوضَة ويحدون مَا يقبل الْحَد ويحصرون مَا يقبل الْحصْر إِلَى غير ذَلِك
أما رَسُول الله ﷺ فَكَانَ يتَوَضَّأ فَيرى أَصْحَابه وضوءه
1 / 15
فَيَأْخُذُونَ بِهِ من غير أَن يبين أَن هَذَا ركن وَذَلِكَ أدب وَكَانَ يُصَلِّي فيرون صلَاته فيصلون كَمَا رَأَوْهُ يُصَلِّي وَحج فرمق النَّاس حجه فَفَعَلُوا كَمَا فعل وَهَذَا كَانَ غَالب حَاله ﷺ وَلم يبين أَن فروض الْوضُوء سِتَّة أَو أَرْبَعَة وَلم يفْرض أَنه يحْتَمل أَن يتَوَضَّأ إِنْسَان بِغَيْر مُوالَاة حَتَّى يحكم عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ أَو الْفساد إِلَّا مَا شَاءَ الله وقلما كَانُوا يسألونه عَن هَذِه الْأَشْيَاء
عَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ مَا رَأَيْت قوما كَانُوا خيرا من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ مَا سَأَلُوهُ إِلَّا عَن ثَلَاث عشرَة مَسْأَلَة حَتَّى قبض كُلهنَّ فِي الْقُرْآن مِنْهُنَّ ﴿يَسْأَلُونَك عَن الشَّهْر الْحَرَام قتال فِيهِ﴾ ﴿ويسألونك عَن الْمَحِيض﴾ قَالَ مَا كَانُوا يسْأَلُون إِلَّا عَمَّا يَنْفَعهُمْ
1 / 16
قَالَ ابْن عمر ﵁ لَا تسْأَل عَمَّا لم يكن فَانِي سَمِعت عمر بن الْخطاب ﵁ يلعن من سَأَلَ عَمَّا لم يكن
قَالَ الْقَاسِم
إِنَّكُم تسْأَلُون عَن أَشْيَاء مَا كُنَّا نسْأَل عَنْهَا وتنقرون
1 / 17
عَن أَشْيَاء مَا كُنَّا ننقر عَنْهَا وتسألون عَن أَشْيَاء مَا أَدْرِي مَا هِيَ وَلَو علمناها مَا حل لنا أَن نكتمها
وَعَن عَمْرو بن إِسْحَاق قَالَ لمن أدْركْت من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَكثر مِمَّن سبقني مِنْهُم فَمَا رَأَيْت قوما أيسر سيرة وَلَا أقل تشديدا مِنْهُم
وَعَن عبَادَة بن نسي الْكِنْدِيّ سُئِلَ عَن امْرَأَة مَاتَت مَعَ قوم لَيْسَ لَهَا ولي فَقَالَ أدْركْت أَقْوَامًا مَا كَانُوا يشددون تشديدكم وَلَا يسْأَلُون مسائلكم أخرج هَذِه الْآثَار الدَّارمِيّ
وَكَانَ ﷺ يستفتيه النَّاس فِي الوقائع فيفتيهم وترفع إِلَيْهِ القضايا فَيَقْضِي فِيهَا وَيرى النَّاس يَفْعَلُونَ مَعْرُوفا فيمدحه أَو مُنْكرا فينكر عَلَيْهِ وَمَا كل مَا أفتى بِهِ مستفتيا عَنهُ أَو قضى بِهِ فِي قَضِيَّة أَو أنكرهُ على فَاعله كَانَ فِي الاجتماعات
وَلذَلِك كَانَ الشَّيْخَانِ أَبُو بكر وَعمر إِذا لم يكن لَهما علم فِي الْمَسْأَلَة يسألان النَّاس عَن حَدِيث رَسُول الله ﷺ وَقَالَ أَبُو بكر ﵁ مَا سَمِعت رَسُول الله ﷺ قَالَ فِيهَا شَيْئا يَعْنِي الْجدّة وَسَأَلَ النَّاس فَلَمَّا صلى الظّهْر
1 / 18
قَالَ أَيّكُم سمع رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي الْجدّة شَيْئا فَقَالَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَنا قَالَ مَاذَا قَالَ أَعْطَاهَا رَسُول الله ﷺ سدسا قَالَ أيعلم ذَلِك أحد غَيْرك فَقَالَ مُحَمَّد بن مسلمة صدق فَأَعْطَاهَا أَبُو بكر السُّدس
وقصة سُؤال عمر النَّاس فِي الْغرَّة ثمَّ رُجُوعه إِلَى خبر الْمُغيرَة وسؤاله إيَّاهُم فِي الوباء ثمَّ رُجُوعه إِلَى خبر عبد
1 / 19
الرَّحْمَن بن عَوْف وَكَذَا رُجُوعه فِي قصَّة الْمَجُوس إِلَى خَبره وسرور عبد الله بن مَسْعُود بِخَبَر معقل بن يسَار
1 / 20
لما وَافق رَأْيه وقصة رُجُوع أبي مُوسَى عَن بَاب عمر وسؤاله عَن الحَدِيث وَشَهَادَة أبي سعيد لَهُ وأمثال ذَلِك كَثِيرَة مَعْلُومَة مروية فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالسّنَن
1 / 21
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذِهِ كَانَت عَادَته الْكَرِيمَة ﷺ فَرَأى كل صَحَابِيّ مَا يسره الله لَهُ من عباداته وفتاواه وأقضيته فحفظها وعقلها وَعرف لكل شَيْء وَجها من قبل حفوف الْقَرَائِن بِهِ فَحمل بَعْضهَا على الْإِبَاحَة وَبَعضهَا على الِاسْتِحْبَاب وَبَعضهَا على النّسخ لأمارات وقرائن كَانَت كَافِيَة عِنْده وَلم يكن الْعُمْدَة عِنْدهم إِلَّا وجدان الاطمئنان والثلج من غير الْتِفَات إِلَى طرق الِاسْتِدْلَال كَمَا ترى الْأَعْرَاب يفهمون مَقْصُود الْكَلَام فِيمَا بَينهم وتثلج صُدُورهمْ بالتصريح والتلويح والإيماء من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
فانقضى عصره الْكَرِيم وهم على ذَلِك ثمَّ إِنَّهُم تفَرقُوا فِي الْبِلَاد وَصَارَ كل وَاحِد مقتدى نَاحيَة من النواحي فكثرت الوقائع ودارت الْمسَائِل فاستفتوا فِيهَا فَأجَاب كل وَاحِد حسب مَا حفظه أَو استنبطه وَإِن لم يجد فِيمَا حفظه
1 / 22