اخبار العلماء بأخبار الحكماء
وعارض الحماسة كل بيت من قوله وهذه النسخة في خزانة الكتب بمدرسة النظام بأصفهان ميخائيل بن مالسويه أخو يوحنا كان أبوهما ماسوية يعمل في دق الأدوية في بيمارستان جند يسابور المدينة المشهورة ببلاد خوزستان وكان ماسويه لا يقرأ حرفا واحدا بلسان من الألسنة إلا أنه عرف الأمراض وعلاجها بالدربة والمباشرة وخبر الأدوية فأخذ جبرائيل بن بختيشوع وأحسن إليه وعشق ماسويه جارية لدواد بن سرافيون فابتاعها له جبرائيل بثلاثمائة درهم ووهبها له فرزق منها ميخائيل هذا وأخاه يوحنا ولما نشأ ميخائيل صار في خدمة المأمون وكان لا يستعمل السكنجين والورد المربى إلا بالعسل ويجري في جميع أموره على سنة اليونانيين ولان لا يوافق أحدا من المتطبيين ممن حدث منذ مائة سنة وسئل يوما عن الموز فقال ما رأيت له ذكورا في كتب الأوائل وما كانت هذه حالة لا أقدم على أكله ولا على إطعامه للناس وكان المأمون يكرمه غاية الإكرام ولا يشرب دواء إلا من تركيبة وإصلاحه وكان جميع المتطبين بمدينة السلام يجلونه تيبيلا لم يكونوا يظهرونه لغيره. وحكى ميخائيل بن ماسويه قال لما قدم المأمون بغداد نادم طاهر بن الحسين فقال له يوما وبيم أيديهم نبيذ قطربل يا أبا الطيب هل رأيت مثل هذا الشراب قال نعم قال أين قال ببوشنج قال فاحمل إلينا منه فكتب طاهر إلى وكيله فحمل منه ورفع صاحب الخبر بالنهروان إلى المأمون إن لطفا وافي طاهرا من بوشنج فعلم الخبر وتوقع حمل طاهر له فلم يفعل فقال له المأمون بعد أيام يا أبا الطيب لم يواف النبيذ فيما وافى فقال أعيذ أمير المؤمنين بالله أن يقيمني مقام خزي فضيحة قال ولم قال ذكرت لأمير المؤمنين شرابا شربته وأنا صعلوك وفي قرية كنت أتمنى أن أملكها فلما ملكني أمير المؤمنين أكثر مما كنت أتمنى وحضر ذلك الشراب وجدته فضيحة من الفضائح قال فاحمل فأمر أن يصير في الخزانة ويكتب عليه الطاهري ليمازحه به من افراط رائته وأقام سنين واحتاج المأمون إلى أن يتقيأ بنبذ رديء فقال بعضهم لا يصاب بالعراق أردأ من الطاهري فأخرج فوجد مثب القطربلي أو أجود إذا هواء العرق قد أصلحه كما يصلح ما نبت وعصر فيه المبارك بن شرارة أبو الخير الطبيب الكاتب الحلبي هذا رجل كاتب طبيب من أهل حلب نصراني يعرف من الطب أوائله ولم يكن له يد في علم المنطق وكان ارتزاقه بطريق الكتابة وله جرائد مشهورة بحلب عند أهلها يحفظونها لأجل الخراج المستقر على الضياع وكان قوي الصنعة في علم الكتابة وتعرف جرائده بالجرائد الحكميات وإذا اختلف النواب في شيء من هذا النوع رجعوا إليها وكان هذا أبو الخير قد اجتمع بابن بطلان الطبيب عند ورود إلى حلب وجرت بينهما مذاكرات أدت إلى المنافرة وقدم ذكرها في ترجمة ابن بطلان ولم يزل ابن شرارة هذا مقيما بحلب يتقلب في صناعته إلى أن دخلت دولة الترك وأيها رضوان بن تتش وحضر يوما عنده وهو يشرب فحمله السكر على أن قال له أسلم فامتنع فضربه بسيف كان في يده أثر في جسمه بعض أثر ونزل من بين يديه ولم يعد إلى داره ومر على وجهه إلى أنطاكية وخرج عنها إلى مدينة ودفن بها في حدود سنة تسعين وأربعمائة ولأبي الخير هذا كتاب في التاريخ ذكر فيه حوادث ما قرب من أيامه يشتمل على قطعة حسنة من أخبار حلب في أوانه ولم أحد منه سوى مختصر جاءني من مصر اختصره بعض المتأخرين اختصارا لم يأت في بطائل المنجم الخارجي المصري هذا رجل كان بمصر يعرف أحكام النجوم ويتكلم في الحدثان وزعم أنه رأى لنفسه أنه سيملك فخرج بصعيد مصر في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة في أيام العزيز بن المعز عليهما السلام واستغوى وذكر أنه يدعو المهدي وأنه في الجبل وأخذ العد بذلك على ثلاثمائة نفس وثلاثين ولسبع خلن من صفر ورد الخبر من الصعيد بأخذه وحصوله في الأسر وحمل إلى الحضرة فوصل على يد القائد أبي الفتوح الفضل بن صالح في يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من صفر وحبس في السجن ثم ضربت رقبته بعد أيام.
صفحة ١٤٢