90

اخبار العلماء بأخبار الحكماء

مناطق
سوريا
الإمبراطوريات و العصور
العباسيون

المسألة الرابعة من كتاب النفس وهي من المسائل العظيم محلها العسر حلها وتجرى هكذا قد بان في الكتب الإلهية أن النفس الناطقة باقية فلا تخلو بعد فساد الموضوع بالموت أن تقوم بنفسها أو في موضوعها أو في موضوع آخر فإن قامت بنفسها لزم أن تكون صورة غير الباري قائمة بنفسها وإن قامت في موضوعها الفاسد وقد انحل إلى الاسطقسات لزم أن تكون مفارقة معا وغير مفارقة ويكون الميت هو الحي وهذا محال وإن انتقلت إلى موضوع آخر لا يخلو إما أن يكون مناسبا أو غير مناسب فإن كان مناسبا لزم أن تتحرك النفس إليه في المكان وليست جسما والحركة من صفات الأجسام وإن كان غير مناسب أن يحل أي صورة اتفقت في أي هيولى اتفقت وهذا شك من قبيل عدم مناسبة الهيولى لجوهر الصورة وإن صح والعياذ بالله بطل عنا بشفاء الفلسفة. ومنه من الفصل السادس.. ذكروا أن فيلسوفا أودع بعض أمناء قضاة أثينية ثوبا فضاع عنده فاغتم له الفيلسوف غما شديدا فعير بذلك فقال بلغنا أن خطافة عششت في مجلس قاض فسرقت الحية فراخها فعزاها الطير فلم تتعز فأنكر ذلك عليها فقالت والله ما بكائي لتفردي دون الطير بهذه الرزية إنما بكائي لما يأتي علي من الجور في مجلس الحكم.. ومن هذا الفصل وفي هذه المقالة يأمرني الشيخ بتصفح تصانيفه لأهدي إلى الناس عيوبه وما أجده من أغلوطاته ومعاذ الله فإن قدره يجل عن هذا غير أنني اتبعت غرضه والتمست منها فوجدتها لم تنتشر بأيدي الناس بمصر فنسبت ذلك إلى ضنته بها ثم أتحفني بعض أصدقائي برده على المؤيد أبي زيد حنين بن إسحاق في مسائله التي انتزعها لولده من كتب جالينوس فقرأت ترجمتها وإذا به قد وسمها بأغلوطات حنين فعلمت أن الله يمهل عبده لخطائه إلي وقت يشاء تصفحتها فرأيت كلامه فيها كلام من لم يحط بشيء مما فيها علما لعدم قراءتها على معلمي الصناعة وقد سلك في بعضها ضد المعرفة فكان كمن رام إدراك الألورا بحاسة الذوق والأصوات بحاسة الشم فلم يدرك شيئا وتطلبت في جميعها ما لا يجوز أن يجاب عنه فلم أجد إلا مسألة واحدة على ما حكى لي الثقة الأمين من جملة ما وجدها بخط ابن بكش فأخذها الشيخ وادعاها.. والمسألة صفتها هذه الصفة قال المؤيد حنين في قسمة الصفراء أن المح يكون من مخالطة البلغم للمرار الأحمر ولهذا صار أبرد من الحمراء وقال جالينوس أن المحبة تحدث من غلبة الحمراء فهي أسخن وأجف منها وهذا يظن مضادا لذلك ومخالفا له وحل هذه الشبهة يأتي بأهون سعي ذلك أن المحبة اسم مشترك يقع على الحمراء إذا نضجت بنفسها وهذه حارة ويقع عليها إذا خالطها البلغم فيردها بمخالطته لها ولهذا عين حنين على مخالطة البلغم لها وجالينوس أفردها بنفسها ولهذا لا يكونان اختلفا والدليل على أن اسم المحية مشترك أنه لو أفردنا إحداهما لم يكن للآخر اسم وإذا كان الأمر على هذا فما تعاندا في المعنى لكن اختلفا في دلالة الأسماء وفي الحقيقة المحية مشتقة من مح البيضة والمح يقع على الصفرة وعلى البياض والصفرة فمن سمى الجملة محا فقد أطلق حكم الجزء على الكل كما فعل حنين ومن سمى الصفرة مجا جاز كما فعل جالينوس ولو سئل حنين عما قاله جالينوس لقال بقوله ومثل ذلك كما يقال في كل صورة بقياس الهيولى عرضا وبقياس المركب جوهرا ولا يصح هذا إذا كان ليس إلا من جهة واحدة وأنت تعلم أنهما يتضادان إن لن يتضادا من نظرك إلى الموضوع فإن الموضوع إن كان واحدا واختلاف في الحكم فقد تضادا لأن الأضداد موضوعها واحد وإن لم يكن الموضوع واحدا فما تضادا في الحقيقة وإن اختلفا بوجود البلغم وعدمه في حكمهما فقد بطل بكون عدم الموضوع واحدا أن يكونا تضادا ومثل ذلك يوجد في علوم كثيرة فإن أبا حنيفة وصاحبيه أبا يوسف ومحمد اختلفوا في نكاح الصابئة وأكل ذبائحهم فحرمها أبو حنيفة وأحلها صاحباه فقال أصحابهم أنه ليس بخلاف على الحقيقة وإنما هو خلاف في الفتوى لأن أبا حنيفة سئل عن الصابئين الحرانيين وهم معروفون بعبادة الكواكب فأجرهم مجرى عبدة الأوثان في تحريم المناكحة والذباحة وصاحباه سئلا عن الصابئين السكان بالبطيحة وهم فرقة من النصارى يؤمنون بالمسيح عليه السلام فأجابا بجواز ذبائحهم ومناكحتهم ولو سئل أبو حنيفة عن هؤلاء لأفتى بفتوى صاحبيه ولو سئل صاحباه عن الفرقة لأولي لافنيا بمثل قوله وفي هذه الأشياء يظهر فضل التلبث والارتياء على الطيش والعجلة وإني لأعجب من الشيخ كيف أخذ على حنين هذا ولم يأخذ على جالينوس ثلاث سؤالات مبهمة الأول منها أنه سماها مرة ةهي حلوة فإن قلت أنه فعل ذلك مجازا لم يجوز ذلك لجالينوس ولا يجوز لحنين كون المحية مائلة إلى البرودة والثاني أنه سماها صفراء من القسم الخارج من الطبيعة ولم يسمها من الطبيعي حمراء الثالث أن عددها أربعة وأسقط الزنجاري منها فإن كان عند الشيخ لجالينوس عذر فليعتذر بمثله لحنين في تقصيره قسمة البلغم إلى خمسة إن كان على قولك سبعة وهبها سبعة وليست لأن جالينوس عددها خمسة في كتاب القوى وحنين اتبعه في هذا العدد نعوذ بالله من المضي مع لهوي المعتضى إلى طرق الردى فلنترك هذا الفن فإنه يخرجنا إلى الهذيان والإطالة ونأخذ في تصفح بقية المقالة.أن جالينوس عددها خمسة في كتاب القوى وحنين اتبعه في هذا العدد نعوذ بالله من المضي مع لهوي المعتضى إلى طرق الردى فلنترك هذا الفن فإنه يخرجنا إلى الهذيان والإطالة ونأخذ في تصفح بقية المقالة. ومنه من الفصل السابع.. في تتبع مقالته في النقطة الطبيعية وكف ما دخل عليه من الشبهة فيها أما الحد الذي أورده عن إقليدس للنقطة فقال أن النقطة هي شيء ما لا جزء له فأنا أحب أن أسأله في أول مصادرات إقليدس لما منحه الله من العلوم التي خصه بها فأقول أن على فهمنا في هذا الاسم شكوك الأول منها لم حد إقليدس النقطة على جهة السلب والحدود والرسوم الصحيحة تكون على جهة الإيجاب ليكون الحد مطابقا لما ابتنى عليه الأمر وإن رسم شيء على جهة السلب فإنما يكون ذلك لأمر له شركة مع أمور محصورة بالعدد قد عرف جميعها فيجد سلبها كما فعل فرفوريوس في العرض والثاني لم رسم النقطة رسم لا يميزها مما سواها فإن رسمها يصلح للوحدة والآن وذلك أن كل واحد من هذه هو شيء ما لا جزء له والثالث ما العلة التي من أجلها ضم في حد النقطة الصورة إلى الهيولى وفي الخط ذكر الصورة فقط والرابع ما الفائدة بدخول نقطة ما في الحد وما المضرة التي كانت تكون بإسقاطها مع إبهام المحدود وعموم الحد في الجميع والخامس في سؤاله حرسه الله ما الفرق بين التلفظ بالحد والقول الجازم فإن ظهر الحد أنه قول جازم محموله مركب فإنك تضع الإنسان وتحكم عليه بأنه حيوان ناطق فكذلك النقطة فهذا ما التمس جوابه في حد النقطة فإن سامحني بهذه السؤالات تفضلا منه وإلا فليحتسب بها من جملة الألف مسألة التي فسح في تحديه بها.. ومن هذا الفصل فأما اعتقاده أن جذب المغناطيس للحديد يكون بخطوط تخرج من الحجر فيلزم منه أن يكون كلما جذب الحجر الحديد نقصان الحجر وزيادة الحديد إذا كانت هذه الخطوط لها ميل طبيعي ولأنها أجسام طبيعية يلتزم تحركها إلى المكان لا في زمان وهذا محال وقد خطر ببالي سؤال يحتسب به الشيخ من جملة الألف مسألة وهو هل الحديد يطلب الحجر شوقا إليه أم الحجر يجذبه إليه بقسر منه وقبيح بنا أن لا نعلم ذلك ضرورة ونحن نشاهده حسا وهذا سؤال إن لم نرجع فيه إلى ما قاله ذلك المؤيد حنين صاحب الأغلوطات بقينا حيارى نعوذ بالله من الميل مع الهوى والانخراط في سبيل الشيطان المغوى وعصيان القوة الناطقة.. ووجدت الشيخ في فصل من المقالة قد حمى طبعه واحتد غضبه ونشف ريقه ودرت عروقه وصرخ بسبي ولوح باسمي ولم يقض في حق الصناعة ولا رعي في حرمة الدراعة ونسبني إلى الغباء وقطع بأنني لم أقرأ شيئا من علوم القدماء وقال أنه لو قرأ العلم أن ابن بكش وهو من مشايخ الأطباء ويقول في كناشه أن في القلب نقطة منها تنبعث الحياة إلى البدن وأنا أقول للشيخ أعزه الله لقد استعجلت على عادتك وظننت أن ابن بكش هذا هو الناقل للكتب المدرس للطب ولم تعلم أن هذا ولد له ضرير محب للخمر كثير الغرام بالسكر وهو الذي يقول فيه ابن الخمار في مقالته في امتحان الأطباء أن الطب آل أمره ببغداد إلى أن صار من قاد ضريرا شهرين وقد فتح دكانا وأرتسم بطب الأبدان وهذا ابن بك أبعد عن البيمارستان وتحامى طبه الناش لثلاث خصال لفساد عقله بمواصلة السكر ولارتعاش يده عن تأمل المجس ولامتناع بصره عند رؤية القوارير وهو صاحب الشكوك التي وقعت إلى الشيخ على مسائل حنين فقدم في صدرها خطبة ووضع لها الأغلوطات ترجمة وأنا أدل الشيخ على جهله على شغف مولاي به في هذا الكناش يذكر فيه الكلام عند الفطام أن الرجل ينقص ضلعا عن المرأة ولم يعلم أن هذا لو صحت فيه الرواية كان في آدم دون سائر البشر فليس قول ابن بكش حجة في وجود نقطة طبيعية فهذا ما انتهى إليه من الكلام خوفا من التعرض لأسباب الملام وبإجابة مولاي عن فصول هذه المقالة وإقامته على ما خالف فيه المتقدمين البرهان والدلالة فرق بين السديد الفاضل والناقص الجاهل فليتصفح الشيخ ما أوردته تصفح ذوي الألباب ويجيب عن فصل فصل وباب باب ببراهين يزول معها الارتياب وليتحقق أن اللذة يمضغ الكلام لا تفي بغصة الجواب وأن لنا موقف حساب ومجمع ثواب وعقاب تتظلم فيه المرضى إلى خالقهم ويطالبون الأطباء بالأغلاط القاضية بهلاكهم وأنهم لا يسامحون الشيخ كما سامحته بسبي ولا يغضون عنه كما أغضيت عن ثلب عرضي فليكن من لقائهم على يقين ويتحقق أنهم لا يرضون منه إلا بالحق المبين والله يوفقنا وإياه للعمل بطاعته والتقرب إليه بابتغاء مرضاته وهو حسبي ونعم الوكيل. أغضيت عن ثلب عرضي فليكن من لقائهم على يقين ويتحقق أنهم لا يرضون منه إلا بالحق المبين والله يوفقنا وإياه للعمل بطاعته والتقرب إليه بابتغاء مرضاته وهو حسبي ونعم الوكيل.

وقد كان ابن بطلان هذا أكبر أصحاب أبي الفرج بن الطيب البغدادي وكان أبو الفرج يجله ويعظمه ويقدمه على تلاميذه ويكرمه ومنه استفاد وبعلمه تخرج وقد رأيت مثال خط أبي الفرج له على كتاب ثمار البرهان من شرحه وهو قرأ على هذا الكتاب من أوله إلى آخره الشيخ الجليل أبو الحسن المختار بن الحسن أدام الله عزه وفهمه غاية الفهم وكتب عبد الله بن الطيب ولما دخل ابن بطلان إلى حلب وتقدم عند المستولي عليها سأله رد أمر النصارى في عبادتهم إليه فولاه ذلك وأخذ في إقامة القوانين الدينية على أصولهم وشروطهم فكرهوه وكان بحلب رجل كاتب طبيب نصراني يعرف بالحكيم أبي الخير بن شرار وكان إذا اجتمع به وناظره في أمر الطب يستطيل عليه ابن بطلان بما عنده من التقاسيم المنطقة فينقطع فغي يده وإذا خرج عنه حمله الغيظ على الوقيعة فيه ويحمل عليه نصارى حلب فلم يمكن ابن بطلان المقام بين أظهرهم وخرج عنهم وكان ابن شرارة بعد ذلك يقول لم يكن اعتقاده مرضيا ويذكر عن راهب أنطاكي أنه حكى له أن الموضع الذي فيه قبر ابن بطلان من الكنيسة التي كان قد استوطنها وجملها معبدا لنفسه متى ما أوقد فيه سراج انطفأ ويقول عنه أمثال هذه الأقوال وللحلبيين النصارى فيه هجو قالوه عندما تولى أمرهم في كنائسهم وتقرير صلواتهم وعبادتهم على أصولهم.

صفحة ١٣٦