970

أقول: يصدق المثل بلا استرابة ساء سمعا فأساء إجابة، فإن هذا الرجل ما فهم كلام الله تعالى ولا كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا كلام جار الله، أو أنه فهم الكلام وأحاط بالمراد، وعدل عن مقتضاه لسبق الإعتداء في الإعتقاد، لا لسوء الإنتفاء من باب فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل، يا هذا أتعبت نفسك بالإستدلال على خلق الله للأعمال بأحاديث القدر، وكبار أصحابك يكذبونك في صنيعك هذا الخطابي والقاضي عياض في شرحه لصحيح مسلم، وبن بطال في شرحه لصحيح البخاري ، والنووي في شرحه لصحيح مسلم، وغيرهم قد صرحوا بتفسير القضاء والقدر بعلم الغيب فأرجعوهما إلى العلم السابق، فكيف تستدل بالقضاء والقدر على العلم إنما سبق بخلق الله لأعمال العباد، وهل هذا الإستدلال على ثبوت اشيء بنفس ذلك، بل هو مستلزم للدور المحال؟ فظهر لك أن قوله فظهر أن أفعال العباد مقدورة عليهم ...إلخ، ممنوع المقدمتين معا، أما الصغرى فلأنه إن أراد بكون أفعال العباد مقدورة ما ينافي الإختيار ، فهذا التقدير الذي أشار إليه ممنوع وليس في الأحاديث على فرض صحتها جميعا إلا التقدير والتحديد للمعلوم كما اعترف به جماعة من الخصوم، ولهذا فسر سعد الدين القدر بتحديد صفات المخلوق واعترضه الكمال الشريفي بأنه لايشمل تحديد نفس الذات، والأمر فيه سهل، إنما المراد أن التقدير ليس إلا عبارة عن التحديد العلمي التابع للمعلوم المحدد، بل ليس في شيء من الكتاب والسنة ما يدل على أن أفعال العباد مقدرة أصلا، والمجبرة لا يخالفون في هذا، وإنما يرون أن أفعال العباد أفعال الله تعالى فيصرفون ما ورد من الآيات والأحاديث الدالة على أن أفعال الله تعالى تقدر إلى أفعال العباد، بناء على هذه المصادرة الباطلة، والزمخشري وأمثاله قد حرموا آيات القدر بخصوص أفعال الله تعالى، ولا دخل فيه لأفعال العباد، فكلام المعترض لايتم هنا على مذهب الزمخشري ولا على ما حققناه من كون القدر والتقدير عبارة عن التحديد العلمي كما هو قول جمهور المحققين من الفريقينن فظهر من سند المنع للصغرى منع الكبرى أيضا أي قوله وكلما كان كذلك ...إلخ.

واعلم أن مؤدي كلام المعترض في هذا المقام احتجاج بالقدر وهو عين المخالفة لنهي الشارع عن التعرض للقدر، وخروج عما أجمع عليه الفريقان، وقد سئل العز بن عبد السلام في الفتاوى الموصلية هل يعصي من يقول لا حاجة بنا إلى الدعاء ما قضى؟

صفحة ١٠٩٨