877

وأما قوله: فيرجع المعنى ضرورة ...إلخ، فمن الأماني الأشعبية، وهل ادعاء الضرورة في موضع نزاع العقلاء مقبول فضلا عن دعوى الضرورة فيما هو باطل بالضرورة كما اعترف به رؤساء الخصوم، وأئمة الممجبرة؟ والمعترض كما يأتي له قريبا على أنه لايعقل كل عاقل من قولك الله تعالى خالق ما ينحتون من الجبال إلا أن المراد أنه تعالى خالق جواهرها ولا يفهم أنه خالقها بعد النحت، كذلك قولك الله تعالى خالق ما نحته المشركون من الأصنام لاي فهم منه إلا أنه تعالى خالق أحجارها مثلا؛ لأنه عزوجل خالق النحت والمؤثر في التصوير، اللهم إلا أن يكون السامعون لكلامك من المجبرة الذين صار التلفت إلى الجبر دينهم وديدنهم كالمعترض تحريف كلام الله تعالى إلى هذه المسالك هو من باب دعوني فهذا كله قبرمالك، أو من قبيل ما قيل: هذه عادة المجبرة من قبل على كل منزل لا محالة، ..........للشيء ........ويضم، وأما قوله: ولاشك أن الأشكال التي عملوها أثر تشكيلهم فإقرار بأنه هم المؤثرون في أفعالهم وإلا فما معنى قوله أثر تشكيلهم، وكل ذي نظر يعلم أن ذلك يستلزم أن يكون التشكيل نفسه تأثير لا اكتساب، فقد أقر بمذهب خصمه من هذه الحيثية، ومن حيثية أخرى وهي أنه أثر في هذا الكلام بأن الأشكال أثر تشكيلهم ومذهبه أن تشكيلهم مجرد كسب والكسب لا يتعدى إلى ما يخرج عن المحل من الأفعال كالأشكال، وإنما الذي يتعدى عن المحل فعل العبد الذي هو تأثير خصمه واعتراف بصحة ما هو مبالغ، ومجتهد في إبطاله ، يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، ثم ما اقتصر على هذان إلا الإقرار والإعتراف بالتأثير، بل زاد قوله بالضرورة فاعترف بالحق من مذهب خصمه، وأخرجه الحال إلى ذلك على زعمه كما أخرجه الحال فيما سبق إلى الإعتراف باتحصيل، وقال: أن ذلك بالإتفاق فقد اعترف مرارا بصحة مذهب الزمخشري، وبطلان مذهبه بالضرورة، كما اعترف هو كغيره أن الجبر المحض باطل بالضرورة وهو هذا، إنما يحاول إثباته فكلامه باطل بالضرورة باعترافه، وكفى الله المؤمنين القتال، والحمد لله رب العالمين، وحينئذ فيرجع كل ما قترفه في جانب جار الله من السب إليه ويعود ذلك الذم والتضليل عليه، وهذا هو ما وعدنا به سابقا وهو عين ما أشار إليه جار الله رحمه الله تعالى بقوله: بعد بطلانه بحجج العقل أي أن العقل قاض بتمكن العبد من أفعاله، وأنه هو المؤثر فيها وإلا لم يبق فرق بين حركة البطش والإرتعاش كما اعترف به نور الدين من أن الضرورة قاضية بأن لقدرة العبد وإرادته مدخلا في الأول دون الثاني، بعد قوله أنه لا معنى لكون العبد فاعلا بالإختيار إلا كونه موجدا لأفعاله، ولم يأت في الجواب عن هذا إلا بما عرفته سابقا، ومن المعلوم أنة مدخلية القدرة لا يتصور أن يرجع إلا إلى التأثير لا إلى غيره، ومدخلية الإرادة لا ترجع إلا إلى الترجيح والتخصيص إلى شيء آخر [466]فقد اعترف سعد الدين بمذهب المعتزلة اعترافا غامضا، وإلا لم يصح له إثبات مدخلية القدرة والإرادة؛ لأن مجرد تعلقها بالفعل بلا ترجيح ولا تاثير دخل له في الفعل الذي هو إيقاع وتأثير وتحصيل، وتحقيقه أن نقول أن تعلقها أي القدرة والإرادة إما أن يكون بالكسب الذي تدعيه الأشاعرة، أو بتأثيره الذي يدعيه المعتزلة وسائر العدلية لا سبيل إلى الأول، لاستلزامه أن يكون الشيء متعلقا بنفسه؛ لأنهما أي القدرة والإرادة من ماهية المكسب كما صرحوا به، فكيف يقال أنهما متعلقان بالكسب؟ فبقى الثاني وهو أنهما متعلقان بالتأثير فالإعتراف بأن لهما مدخلا في الفعل، أعني في تحصيل الفعل وترجيحه؛ لأنه قد ثبت أن المراد بالفعل لايصح أن يكون إلا الإيقاع والتحصيل والتأثير لا الكسب، وثبوت مدخلهما في الإقاع والتأثير عين القول بأنهما مؤثران فيه، وإلا فلا مدخلية أصلا فافهمه فإنه لطيف نافع، والمعترض معترف أيضا فيما سيأتي بالإختيار بناء على أن إثباته ضروري، وأن إنكاره إنكار للضرورة والإعتراف بالإختيار حقيقة اعتراف بمثل ما اعترف به السعد، فالمعترض معترف بمذهب خصمه؛ لكنه بعد ذلك نكس على رأسه، ورجع عن الشمس إلى الظلمة ركونا على نبراسه.

وأما قوله: فلا يمكن أن تكون مخلوقة الله تعالى فتهور نظرا إلى مذهبه كما ذكرناه فيما مر، فإن الله قادر، وخلق الأشكال بلا تشكيل ممكن للقادر المختار تعالى، بل نقولك أن ذلك مقتضى معنى الخلق، فإنه الإختراع فلو كان تعالى خالق الأشكال لما كان خلقه لها بواسطة التشكيل بالآلات لاسيما مع ظهور التشكيل في فعل غيره عزوجل، كيف وهو القادر لذاته، وهل هذا من المعترض إلا نسبة للعجز إلى القادر المطلق عزوجل، وقول بعدم اقتداره تعالى على بعض الممكنات، وفي قوله الذي هو عملهم إشارة إلى أن عملهم لايتعدى عن التشكيل إلى الأشكال على قاعدة شيخه الأشعري، ولا دخل لكسبهم في الصور الحاصلة في الأصنام وإنما هو في مجرد التصوير الواقع في محل القدرة في الصور والأشكال ليست معمولا لهم ولا عملا أيضا، وهو ما ذكرناه عنهم أي الأشاعرة سابقا، وبه يعلم أن دلالة الآية على كون ما موصولة وعلى فرض كونها مصدرية لايتم للمجبرة إلا على فرض صحة هذا الذي ارتكبه المعترض، ولزوم المجاز له لا محالة.

صفحة ٩٩٢