664

وقال ابن القيم: ونعم ما قال وحسبك بمذهب فسادا استلزمه ظهور المعجزات على يد كاذب، وأنه ليس بقبيح واستلزامهم جواز نسبة الكذب إلى صدق الصادقين، وأنه لا يقبح منه تعالى واستلزامه جواز التسوية بين التثبيت والتوحيد في العقل، وأنه قبل ورود النبوة لا يقبح ..... ولا عبادة الأصنام، ولا تشبيه المعبود، ولا شيء من أنواع الكفر، ولا البغي في الأرض بالفساد، ولا يقبح شيء من أنواع القبائح أصلا، وقد التزمها النفاة ذلك وقالوا: إن هذه الأشياء لم تقبح عقلا، فقال: وإنما جهة قبحها السمع، وأنه لا فرق قبل السمع بنزوله [346] والثناء عليه وحمده، وبين ضد ذلك، ولا بين شكره بما يقدر عليه العبد، وبين ضده ولا بين الصدق والكذب، والفجور والإحسان إلى العالم، والإساءة إليهم بوجه ما، وأن التفريق ...بالشرع بين متماثلين كل وجه، وقد كان تصور هذا المذهب على حقيقته كافيا في العلم ببطلانه، وأن لا يتكلف رده، ولهذا رغب عنه فحول النظار من الطوائف كلهم، واطبق أصحاب أبي حنيفة على خلافه وحكوه عن أبي حنيفة أيضا واختاره من أصحاب أحمد أبو الخطاب، وابن عقيل، وأبو يعلى الصغير، ولم يقل أحد من متقدميهم بخلافه، ولا يمكن أن ينقل عنه حرف واحد يوافق النفاة، واختار من أئمة الشافعية الإمام أبو بكر محمد بن إسماعيل القفال الكبير وبالغ في اثباته وبنى كتابه محاسن الشرعية عليه، وكذا الإمام سعيد بن علي الزنجاني بالغ في إنكاره على أبي الحسن الأشعري القول بنفي التحسين والتقبيح، وأنه لم يسبقه إليه أحد، وكذا أبو القاسم الراغب، وكذا أبو عبد الله الحليمي....... لا يخصون، وكل من تكلم في علل الشرع ومحاسنه وما تضمنه من المصالح ودرأ المفاسد فلا يمكنه ذلك إلا بتقرير الحسن والقبح العقليين إذ لو كان حسنه وقبحه لمجرد الأمر والنهي لم يتعرض في اثبت ذلك لغير الأمر والنهي فقط، ولا يتنج الكلام في القياس وتتعلق الأحكام بالأوصاف المناسبة المقتضية لها دون الأوصاف الطردية التي لا مناسبة فيها فتجعل ضاب لها للحكم دون الثاني إلا على اثبات هذا الأصل، فلو تساوت لأنسد باب القياس والمناسبات والتعليل بالحكم والمصالح ومراعاة الأوصاف المؤثرة دون الأوصاف التي لا أثر لها، انتهى، ومنه يعلم مجازفة ابن حجر المكي في فتاويه الصغرى حيث ضلل العلامة ابن تيمية فيها إلى قاعدة الحسن والقبح عقلا، وأوهم أنه أنفرد بذلك عن جماعته وأهل نحلته، والتزم كل ما يلزم على هذه القاعدة بناء على أنها لوازم فاسدة، وما علم أن ما يلزمها إلا فساد فيه، وما فيه فساد لا يلزمها، وأنها لو بطلت لبطل القياس، وأنهار الأساس كما أشار إليه ابن القيم في هذا الكلام الذي بلغ أعلى درجات النصيحة، ولقد صدق رحمه الله، فإن العضد وناهيك به لما بلغ إلى القياس في شرح أصول ابن الحاجب اضطر وبعد وقرب حتى وقع في مناقضة المذهب، وكذا من هو أكبر منه في الكلام كالبيضاوي في المنهاج وكفى به، وكذا من هو دونهما كابن السبكي في جمع الجوامع والمحلي في شرحه، والقاضي زكريا في لبه وشرحه، فمن شاء أن يراجعها فليراجع، وإنما يقولون بأفواههم وما ليس في قلوبهم حتى أن ابن عبد السلام وهو كما قالوا: سلطان علمائهم قال: أن مرجع الشرائع إلى اعتبار المصالح ودرأ المفاسد وتبعه ابن السبكي وزاد عليه حيث قال: إن درأ المفاسد من جملة المصالح فمرجع الشرائع إلى اعتبار المصالح فقط كذا نقله عنهما الأسيوطي في أوائل الأشباه والنظائر الفقهية وكم وكم لهم من جنس هذا الصنيع، وليست هذه المناقضة بأغرب من التصميم على مناقضة القرآن العظيم، فإن قولهم: لو عكس الشارع القضية كما قال المعترض فقبح ما حسنه، وحسن ما قبحه، لانقلب الأمر مناد بخلاف قوله تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون} فكأنهم بهذا الخطاب [347] وأمثاله هم المعنيون فإنا لله وإنا إليه راجعون، وفي لفظ تحكمون من هذه الآية الكريمة إشارة جليلة إلى الأحكام العقلية يفهمها كله سلمت فطرته عن تغيير الجبرية.

قوله : كما والنسخ من الحرمة إلى الوجوب ومن الوجوب إلى الحرمة.

قلنا: ماذا أردت به هل تريد بجواز النسخ لما استقلت العقول بإدراكه من القضايا الصرفية كوجوب معرفة الله تعالى وشكر المنعم كذلك مما لا يجوز نسخه عندنا أصلا؛ لأن الشرع لا يجيء بخلاف ما يقتضيه العقل الصرف وإلا لعاد على موضوعه بالنقص، ولمثل هذا منع المعتزلة وسائر العدلية نسخ جميع التكاليف وتبعهم على ذلك الإمام الغزالي، وقد اعترف جمهور من الأشاعرة أنه يمتنع نسخ الخبر.

صفحة ٧٤٤