الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
قال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: يقول الله تعالى أنزع عنهم فهم القرآن، أخرجه ابن أبي حاتم، وقد أورده الأسيوطي في الاتقان، ثم أنهم مع هذه المكابرة والاستكبار، والإعراض، والإدبار لم يأتوا في تنزيهه تعالى عن جواز الكذب عقلا بما يرضاه العاقل لنفسه، ولا يعول عليه ناظر خائف من ضيق الجواب عند السؤال له في زمنه، بل قد قالوا: لا فرق بين التوحيد والشرك إلا من حيث استمرار العادات واستقرار الشرائع والنبوات، وسيأتي إن شاء الله تعالى نقل ذلك عن شرح المقاصد، فليت شعري أين يذهبون إذا حوصروا في معنى قوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}، وقوله عليه وعلى الصلاة والسلام: ((إنما بعث لأتمم مكارم الأخلاق))، وفي رواية: ((صالح الأخلاق))، وهذا الحديث وإن كان فيه مقال، فله شواهد قاضية بمعناه أي أن في الأفعال ما هو حسن وقبيح في نفس الأمر، ومن شواهده ما جاء عنه عليه وعلى الصلاة والسلام: ((إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفسافها)) أخرجه البيهقي والطبراني، بل شواهده لا تحصى كتابا وسنة، {أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}، {وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق}، {والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق}، ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم إذا أرادوا تعظيم القسم قالوا: والذي بعثك بالحق نبيا، ونحو ذلك والأمر في هذا واضح غني عن مزيد البيان والاستشهاد بالكتاب والسنة، فإن الشرائع عليه بنية، والأحكام منه عرفت، ويكفي أن الله تعالى حكاه عن الجن في قوله تعالى: {إنا سمعنا قرآنا عجبا، يهدي إلى الرشد فآمنا به}، وقوله تعالى: {إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم}، أوليس المراد بالرشد، والحق والطريق المستقيم هو الشرع، وإلا كان المعنى هكذا، يهدي إلى نفسه وهو ظاهر، وهؤلاء المجبرة النافون للحكمة ظنا منهم أنهم إنما نفوا تحكيم العقل وهو حجة الله على العبد [343] قد جعلوا تمدحه تعالى بأنه قائم بالقسط وهاد إلى الحق بمثابة تمدحه تعالى بأنه يفعل ما يشاء لا فرق بينهما أصلا، إنما سمى هو تعالى فعله حكمة وقسطا وعدلا، وحقا وحكم هو تعالى بعدل نفسه وقسطه، وليس في نفس الأمر أحد الجانبين أولى من الآخر، فليس العبد باسم العدل أولى من الجور بذلك، وكذلك سائرها من الإحسان والإساءة والحكمة والعبث، ثم ظنوا أنهم عظموه تعالى حيث قالوا: أنه مالك يفعل ما يشاء، فياعجباه من هذا التقديس الراجع إلى الفحشاء إذا لم تستح فأصنع ما شئت، وقد أوضحت في بعض الرسائل أنه لا يصح لهم أيضا قولهم: مالك يفعل ما يشاء نظرا إلى أصولهم؛ لأنه إقرار بالفرق بين المالك وغيره وهو قول بالحسن والقبح عقلا، وكذا قولهم: إنما كان الفرق من هذه الأشياء كالظلم والعدل مثلا؛ لأن الشارع فرق بينها؛ لأنا نقول لهم: وهل فرق الشارع مطابق لنفس الأمر ولما هي عليه في أنفسها أولا، إن كان الأول فإقرار بالحسن والقبح، وإن كان الثاني لزم الكذب في كلامه تعالى إذ لا معنى للكذب إلا الاخبار بالشيء لا على ما هو به، فإذا قالوا كما قال المعترض فيما سيأتي في كتاب العدل من أن الكذب صفة نقص فهو غير ممكن في حقه تعالى أي فلا يقدر عليه عز وجل، فنقول: ولم قلتم بأنه صفة نقص مع نفيكم للحسن والقبح في نفس الأمر وإنما اثبات نقصه فرع لاثبات قبحه، بل هو ولو تبين لنا وفرضنا ذلك في الكلام اللفظي الحادث بالاتفاق بين الجمهور -أعني المترتب المتركب من الحروف- فإنه من صفات الأفعال، ولا نقص في الأفعال عنده؛ لأنه غير القول بالقبح العقلي، فماذا يجيبون به، ولا بد لهم من الانتهاء إلى الحكم العقلي، واثبات الحكمة لله تعالى عما على أئمة الجبرية الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ويعرفون الحق ثم لا يعترفون، فبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون، ومن عجائب المناقضات التي تقع ممن اعترف بأن الكذب صفة نقص كالمعترض وغيره أنهم يذهلون عما يقولون فيجادلون في موضع النزاع بما يقتضي انكارهم لنقص الكذب وقبحه ويزعمون أنه لا نقص فيه إلا بالشرع كما يأتي قريبا حيث قال المعترض: واحتج الأشاعرة إلى أن قال: فإن القبح كالكذب قد يحسن إذا كان فيه عصمة نبي إلى آخر كلامه الصريح في أنه لا نقص في الكذب عقلا أصلا، بل قد يكون كمالا، وأي كمال، وحينئذ فلا يمكنهم تنزيه الباري تعالى عنه إذ يقال لهم من أين لكم أن الكذب في كلامه تعالى ليس بحكم ومصالح وما هو أعظم وأجل من عصمة النبي، وإنجاء المتوعد بالقتل ظلما، فلا يجدون جوابا عليه يعتمدون {فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}، وسأنبهك هنا على نكتة وهي: أنهم وإن نفوا حكم العقل كما يزعمون فقد اعترفوا به في مواضع عديدة، ألا ترى أنهم أجازوا تخصيص العام بالعقل، فلو كان العقل معزولا من الحكم بالكلية كما يدعون لما شاغ له الحكم بالتخصيص مثاله {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} فإن العقل كما اعترفوا يدرك أن الصبي والمجنون خارجان عن هذا العموم [344] فحكم الفعل بأنه لا حج عليهما وخروجهما عن عموم هذه الآية، العموم شاهد عدل على نقص دعواهم، وأنهم مضطرون إلى القول بخلاف مذهبهم، فإن خروج الصبي والمجنون عن العموم بالعقل إنما كان من حيث أن العقل يحكم بأنه يمتنع من الحكيم تعالى مطالبتهما وتكليفهما بالحج وغيره من التكاليف، وهذا مناف لمذهبهم، وعين مذهنا ومذهب كل من قال بالحسن والقبح عقلا، وقد منع بعضهم من التخصيص بالعقل زاعما أنما نفاه العقل غير داخل في العموم إذ لا تصح إرادته، وهذا عذر أقبح من الذنب؛ لأن الحكم بأن إرادته لا تصح قول بالحسن والقبح ظاهر؛ لأن الحكم بأن إرادته لا تصح إنما هو لأجل قبحه لا لأجل شيء آخر، وإلا لما كان إخراجه بالعقل، وإن زعم بعضهم خلاف ذلك.
وأما ابن السبكي فقال: أن الخلاف لفظي بين من قال بتخصيص العقل، وبين من قال أن العلم لا يتناوله، وبحث في ذلك القاضي زكريا في حاشيته على شرح الجمع والمراد هنا إيضاح مناقضتهم لما يدعون ومصادمتهم لصرائح الكتاب والسنة، وإن جحد الجاحدون.
صفحة ٧٣٨