644

وبالجملة كلما يستحق عليه المدح والذم في نظر القعول السليمة، واللوم لفاعله كائنا من كان، أو لا يدرك فرقا إلا بالشرع، وأنه لولا الشرع لما كان الرفع من شأن المحسن والصادق، والعادل أولى من الرفع من شأن المسيء والكاذب، والحائر، بل لو ورد الشرع بالرفع من شأن المتحلي بكل رذيلة لكان أولى من رفع شأن المتحلي بكل فضيلة، إذ لا راجح في نفس الأمر بالنظر إلى ذاتي القبيح والحسن، واعتباراتها فكان يجوز أن يرفع الشارع شأن مسيلمة ويضع شأن محمد عليه وعلى الصلاة والسلام؛ لأن الشرع لم يحسن شيئا حسنا في نفسه، ولم يقبح شيئا قبيحا في نفسه، إنما هو المحسن والمقبح فهو الفاروق بين أمرين متساويين بكل وجه، وبكل اعتبار محسن هذا، وقبح هذا، لا لمرجح سوى الإرادة أي أنه تعالى أراد أن يحسن هذا، ويقبح هذا، وأنت قد عرقت أن الإرداة عند القائلين بهذا متعقلة لذاتها، فتعلقها أزلي، وكلما كان ذلك فلا اختيار فيه أصلا، وأيضا فمعنى كونه المحسن لهذا والمقبح لهذا هو أن الجاعل لشيء حسنا أو قبيحا بأمره ونهيه في خطابه المترجم عن كلامه الأزلي الذي لا اختيار له فيه أصلا، فافهم، هذا هو مذهب الأشاعرة الذي خالفوا به جميع الفرق من العلماء، والعقلاء [334] القائلين بالأول وهم المعتزلة، والماتريدية، والإمامية، وبعض الصوفية، والزيدية كافة، والفلاسفة الإسلاميين وغيرهم، والكرامية عن آخرهم، والبراهمة، وغيره من الأشاعرة، وأكثر أئمة الحديث والأثر، والتفسير ممن يطول تعدادهم، ويعلو إسنادهم ويتعسر أن يذكر في هذا الباب بحثهم وإيرادهم حتى ربما صرح بذلك بعض الأشاعرة في كتب الفقه، وشرح الحديث.

صفحة ٧١٧