1151

على أن هؤلاء الأقوام وإن اعترفوا في غير مواطن الجدال والخصام بأن الكتابة كالعلم لا يخرج بها المكتوب والمعلوم عن الإمكان ولا يؤثر فيه وجوبا ولا امتناعا فهم إذا جاءوا إلى مراكز التعصبات ونصرة المذهب والدعا إليه اطرحوا ما اعترفوا به وأنكروه وزعموا أن للكتابة والعلم أثرا في المكتوب والمعلوم وإلا فلم تشبثوا بشبهة العلم وجفاف الأقلام وجري المقادير كيف ونحن إلى الآن ما فرغنا من إبطال ما يورده المعترض تبعا لأسلافه في هذا المعنى بل قد زعم فيما سيأتي إن شاء الله تعالى أن العلم يخرج المعلوم عن إمكانه الذاتي وهي من فضائحه، فتبين أن مثل هذا الحديث إنما يوردونه لتقوية بدعتهم التي هم داعون إليها فلا مرحبا بروايتهم المبينة ولا كرامة ولا وردو للسؤال الذي أوردته ولا استقامة، وقد ألقيت عليك معاقد حل الإشكال وفوضت إليك معاقل التحقيق لجلية الحال.

وهاهنا نكتة مضحكة مما تنبه على سوء صنيعهم وشدة تقويتهم لبدعتهم بأمثال هذا الحديث حتى أنك لو رمت أن تقدح فيه عند من تكرر عليه من العوام لظن أنك ممن ينكر الضرورة ويقدح في الشرائع والأديان بل حد ظن بعضهم أنه أي الحديث من جملة القرآن.

قال الوطواط في كتابه الذي سماه غرر الخصايص وهو متهم ما لفظه: رفع إلى المأمون سبعمائة قصة في بشر المريسي ما منها واحدة إلا تدل على كفره وإباحة دمه فأمر يوما بإحضار جماعة من رؤساء الرافعين لتلك القصص فلما اجتمعوا قال لهم المأمون: ما الذي ظهر لكم من كفره؟

صفحة ١٢٨٢