الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
تصانيف
•الزيدية
عمليات البحث الأخيرة الخاصة بك ستظهر هنا
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
إسحاق بن محمد العبدي (ت. 1115 / 1703)ولا يخفى على أحد أن أولئك المشركين لو كان جدالهم في نفي القدر كما تزعمه المجبرة لكانوا ساعين في نقيض مطلوبهم لأنهم إنما يحاولون إبطال حجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفي نفيهم للقدر بالمعنى الذي زعمت المجبرة إثبات للحجة على أنفسهم وهذا مما لا سترت به وقد يقال إنهم زعموا أن أفعال الله تعالى غير مقدرة لأنه كثيرا منها لا يوافق مقتضى عقولهم وعقول أمثالهم كما دل على مثل ذلك قول الزنديق أحمد بن يحيى الراوندي:
كم عاقل عاقل أعيت مذاهبه
وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا
هذا الذي ترك الأفهام حائرة
وصير العالم النحرير زنديقا
وهذا القول يلائم ما قاله العلامة جار الله وأضرابه من أن القدر مخصوص بأفعال الله تعالى ومن أدخل فيه أفعال العباد فهو جاهل باللغة والحديث.
وبالجملة فمن نفى القدر فقد نفى أحكام أفعال الله أي أنه يلزمه أنها لا تكون محكمة، وعلى هذا فأفعال العباد بمعزل عن ذلك، فتأمل.
وأنت تعلم أن من سمع بمسألة القدر وجنح إلى كونه عاما لأفعال العباد .....فعاله تعالى [557] ولم يحقق النظر لم يكد يسلم من توهم منافاته للاختيار، فالظاهر أن هؤلاء المشركين رأوا أن الاختيار والتمكن ضروري فوجب عندهم إنكار ما يقدح فيه كالقدر؛ لأن إنكار الضرورة أعظم وأقبح من إنكار الدليل مع احتمال أنهم يريدون عدم الدلالة على القدر فلم ينكروا دليلا بزعمهم ولم يلتفتوا إلى أن أفعال الله محكمة وأن القدر مخصوص بها كما قاله من قال، وكما دلت على ذلك أشعار العرب، فلا يعم القدر أفعال العباد أصلا فلا يلزم إنكار اختيارهم وتمكنهم.
صفحة ١١٧٧