850

الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع

الناشر

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

مكان النشر

المملكة العربية السعودية

الأَخبثان (١)، وَمَا أَشبه ذَلِكَ.
وَنَظِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ: "نهينا عن اتِّباع الجنائز، ولم يُعْزَم (٢) عَلَيْنَا" (٣).
فَالْمُرْتَكِبُ لِلْمَكْرُوهِ لَا يَصِحُّ أَن يُقَالَ فِيهِ: مخالفٌ (٤) وَلَا عاصٍ، مَعَ أَن الطَّاعَةَ ضدُّها الْمَعْصِيَةُ، وَفَاعِلُ الْمَنْدُوبِ مُطِيعٌ لأَنه فَاعِلُ ما أُمر بِهِ، فإِذا اعْتَبَرْتَ الضِّدَّ؛ لَزِمَ أَن يَكُونَ فَاعِلُ الْمَكْرُوهِ عَاصِيًا؛ لأَنه فاعلٌ مَا نُهِيَ عَنْهُ، لَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ إِذْ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ عاصٍ، فَكَذَلِكَ لَا يَكُونُ فَاعِلُ الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ ضَالًّا (٥)، وإِلا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ اعْتِبَارِ الضِّدِّ فِي الطَّاعَةِ وَاعْتِبَارِهِ فِي الْهُدَى، فَكَمَا يُطْلَقُ عَلَى الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ لَفْظُ الضَّلَالَةِ، فَكَذَلِكَ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَكْرُوهِ لَفْظُ الْمَعْصِيَةِ، وإِلا فَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْبِدْعَةِ الْمَكْرُوهَةِ لَفْظُ الضَّلَالَةِ، كَمَا لَا يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَكْرُوهِ لَفْظُ الْمَعْصِيَةِ.
إِلا أَنه قَدْ تَقَدَّمَ عُمُومُ لَفْظِ الضَّلَالَةِ لِكُلِّ بِدْعَةٍ، فليَعُمّ لَفْظُ الْمَعْصِيَةِ لِكُلِّ فِعْلٍ مَكْرُوهٍ، لَكِنَّ (٦) هَذَا بَاطِلٌ، فَمَا لَزِمَ عَنْهُ كَذَلِكَ.
وَالْجَوَابُ: أَن عُمُومَ لَفْظِ الضَّلَالَةِ لِكُلِّ بِدْعَةٍ ثَابِتٌ - كَمَا تَقَدَّمَ بسطه ـ، وما أَلْزَمتم (٧) في الفعل المكروه غير لازم. أَما أَوَّلًا (٨): فإِنه لَا يَلْزَمُ فِي الأَفعال أَن تُجرى عَلَى الضِّدِّية الْمَذْكُورَةِ إِلا بَعْدَ استقراءِ الشَّرْعِ، ولمّا استقرأنا موارد الأَحكام الشرعية؛ وجدنا بين الطاعة (٩) وَالْمَعْصِيَةِ وَاسِطَةً مُتَّفَقًا عَلَيْهَا - أَو كَالْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا ـ؛ وهي المباح، وحقيقته: أَنه ليس بطاعة ولا معصية (١٠) من حيث هو مباح.

(١) لما أخرجه مسلم (٥٦٠) من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان".
(٢) في (خ) و(ت) و(م): "يحرم".
(٣) أخرجه البخاري (٣١٣)، ومسلم (٩٣٨) من حديث أم عطية ﵂.
(٤) في (خ): "مخالفًا".
(٥) قوله: "ضالًا" ليس في (غ) و(ر).
(٦) في (غ) و(ر): "ولكن".
(٧) في (خ) و(م) و(ت): "التزمتم".
(٨) قوله: "أما أولًا" سقط من (خ) و(ت).
(٩) في (خ) و(ت): "وجدنا للطاعة".
(١٠) قوله: "ولا معصية" سقط من (خ).

2 / 378