620

الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع

الناشر

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

مكان النشر

المملكة العربية السعودية

السِّياحة. قَالَ: وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِليه فِي دِينِنَا عِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ (١).
وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي (٢) أَنها بِدْعَةٌ؛ لأَن الَّذِينَ ترهَّبوا قَبْلَ الْإِسْلَامِ إِنما فَعَلُوا ذلك فرارًا منهم بدينهم، ثم سُمِّيت (٣) بِدْعَةً، وَالنَّدْبُ إِليها يَقْتَضِي أَن لَا ابْتِدَاعَ (٤) فِيهَا، فَكَيْفَ يَجْتَمِعَانِ؟ وَلَكِنْ للمسأَلة فِقْهُ (٥) يُذكر بحول الله.
وقيل: إِن قوله (٦) تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ معناه (٧): أَنهم تَرَكُوا الْحَقَّ، وَأَكَلُوا لُحُومَ الْخَنَازِيرِ، وَشَرِبُوا الْخَمْرَ، وَلَمْ يَغْتَسِلُوا مِنْ جَنَابَةٍ، وَتَرَكُوا الْخِتَانَ، ﴿فَمَا رَعَوْهَا﴾ يعني: الطاعة والملة ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، فالهاءُ رَاجِعَةٌ إِلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، وَهُوَ الْمِلَّةُ الْمَفْهُومُ (٨) مَعْنَاهَا مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾؛ لأَنه يَفْهَمُ مِنْهُ أَن ثَمَّ مِلَّةٌ مُتَّبَعَةٌ؛ كَمَا دَلَّ (٩) قَوْلُهُ: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ *﴾ (١٠) على معنى (١١) الشَّمْسِ، حَتَّى عَادَ عَلَيْهَا (١٢) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تعالى: ﴿حَتَّى (١٣) تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ (١٤)، وَكَانَ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ عَلَى هَذَا (١٥) الْوَجْهِ الَّذِي فَعَلُوهُ، وإِنما أَمرناهم بِالْحَقِّ، فَالْبِدْعَةُ فِيهِ إِذًا حَقِيقِيَّةٌ لَا إِضافية، وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي قَالَ بِهِ أَكثر الْعُلَمَاءِ، فَلَا نَظَرَ فيه بالنسبة إِلى هذه الأُمة.

(١) الذي في أحكام القرآن لابن العربي قوله: الثاني اتخاذ الصوامع للعزلة، وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان، اهـ ولم يذكره عند السياحة كما في نقل الشاطبي عنه.
(٢) قوله: "يقتضي" ليس في (غ).
(٣) في (خ): "وسميت"، وفي هامش (م) ما نصه: "ولعلها: سماها".
(٤) في (غ): "أن الابتداع".
(٥) في (خ): "فقد"، ولذا أشكلت العبارة على رشيد رضا، فعلق على قوله: "للمسألة" فقال: كذا! ولعل كلامًا سقط من الناسخ هو "بيان"، أو نحوه. اهـ.
(٦) في (خ): "معنى قوله".
(٧) قوله: "معناه" ليس في (خ).
(٨) في (م): "المفهومة".
(٩) في (غ): "دل عليه".
(١٠) سورة ص: الآية (٣١). وقوله: "الصافنات الجياد" من (ر) فقط.
(١١) قوله: "معنى" من (غ) و(ر) فقط.
(١٢) في (م): "عليه".
(١٣) قوله تعالى: "حتى" ليس في (خ).
(١٤) سورة ص: الآية (٣٢). وعلق رشيد رضا ﵀ على هذا الموضع بقوله: في تفسير الآية وجه آخر، وهو: أن ضمير "توارت" يرجع إلى الخيل التي عبر عنها بلفظ الخيل. وكذلك ضمير "ردوها علي"، وهذا الوجه أصح لفظًا ومعنى. اهـ.
(١٥) قوله: "هذا" ليس في (غ) و(ر).

2 / 148