571

الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع

الناشر

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

مكان النشر

المملكة العربية السعودية

فَصْلٌ
وَقَدْ رأَينا أَن نَخْتِمَ الْكَلَامَ فِي الْبَابِ بفصلٍ جَمَعَ جُمْلَةً مِنْ الِاسْتِدْلَالَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وغيرها مما (١) فِي مَعْنَاهَا، وَفِيهِ مِنْ نُكَتِ هَذَا الْكِتَابِ جُمْلَةٌ أُخرى، فَهُوَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِليه بِحَسْبَ الْوَقْتِ وَالْحَالِ، وإِن كَانَ فِيهِ طُولٌ، وَلَكِنَّهُ يَخْدِمُ مَا نَحْنُ فِيهِ إِن شَاءَ اللَّهُ تعالى.
وَذَلِكَ أَنه وَقَعَ السُّؤَالُ عَنْ قَوْمٍ يتسمَّون بالفقراءِ، يَزْعُمُونَ أَنهم سَلَكُوا طَرِيقَ الصُّوفِيَّةِ، فَيَجْتَمِعُونَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِي، ويأَخذون فِي الذِّكْرِ الجَهْري (٢) عَلَى صوتٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ فِي الغناءِ وَالرَّقْصِ إِلى آخَرَ اللَّيْلِ، وَيَحْضُرُ مَعَهُمْ بَعْضُ المتسمِّين بِالْفُقَهَاءِ، يَتَرَسَّمُونَ بِرَسْمِ الشُّيُوخِ الْهُدَاةِ إِلى سُلُوكِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ: هَلْ هَذَا الْعَمَلُ صَحِيحٌ فِي الشَّرْعِ أَم لَا؟.
فَوَقَعَ الْجَوَابُ بأَن ذَلِكَ كُلَّهُ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ، الْمُخَالَفَةِ طَرِيقَةَ (٣) رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَطَرِيقَةَ أَصحابه والتابعين لهم بإِحسان، فنفع الله بِذَلِكَ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ.
ثُمَّ إِن الجواب وصل (٤) إِلى بعض البلدان، فقامت القيامة عَلَى الْعَامِلِينَ بِتِلْكَ الْبِدَعِ، وَخَافُوا انْدِرَاسَ طَرِيقَتِهِمْ، وَانْقِطَاعَ أَكلهم بِهَا، فأَرادوا الِانْتِصَارَ لأَنفسهم، بَعْدَ أَن راموا ذلك بالانتساب إِلى شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ ثَبَتَتْ فَضِيلَتُهُمْ، وَاشْتُهِرَتْ فِي الِانْقِطَاعِ إِلى اللَّهِ، وَالْعَمَلِ بِالسُّنَّةِ طَرِيقَتُهُمْ، فلم يستقم (٥) لَهُمْ الِاسْتِدْلَالُ؛ لِكَوْنِهِمْ عَلَى ضِدِّ مَا كَانَ عليه القوم، فإِنهم

(١) قوله: "مما" ليس في (خ).
(٢) في (خ): "الجهوري".
(٣) في (غ) و(ر): "لطريقة".
(٤) في (غ) و(ر): "رحل".
(٥) في (م): "يستقر".

2 / 99