536

الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع

الناشر

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

الإصدار

الأولى

سنة النشر

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

مكان النشر

المملكة العربية السعودية

والحائض لا تطلب بِالصَّلَاةِ الْمُخَاطَبِ بِهَا فِي حَالِ حَيْضِهَا، وَلَا مَا أَشبه ذَلِكَ.
فَمَنْ رأَى أَن التَّكْلِيفَ قَدْ يَرْفَعُهُ الْبُلُوغُ إِلَى مَرْتَبَةٍ مَّا مِنْ مَرَاتِبِ الدِّينِ - كَمَا يَقُولُهُ أَهل الْإِبَاحَةِ ـ، كَانَ قَوْلُهُ بِدَعَةً مُخْرِجَةً عَنِ الدِّينِ (١).
وَمِنْهُ دَعَاوَى أَهل الْبِدَعِ عَلَى الأَحاديث الصَّحِيحَةِ مُنَاقَضَتُهَا لِلْقُرْآنِ، أَوْ مُنَاقِضَةُ بَعْضِهَا بَعْضًا، وَفَسَادُ مَعَانِيهَا، أَو مُخَالَفَتُهَا لِلْعُقُولِ، كَمَا حَكَمُوا بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ﷺ للمتحاكِمَيْن إِلَيْهِ: "وَالَّذِي نفسي بيده! لأَقضينَّ بينكما بكتاب الله: مائة الشَّاةِ وَالْخَادِمُ ردٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا (٢) الرَّجْمُ، واغْدُ يَا أُنَيْسُ (٣)! عَلَى امرأَة هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"، فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَرَجَمَهَا (٤).
قَالُوا: هَذَا مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ؛ لأَنه قَضَى بِالرَّجْمِ وبالتغريب، وَلَيْسَ لِلرَّجْمِ وَلَا لِلتَّغْرِيبِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ذَكَرَ، فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ بَاطِلًا فَهُوَ مَا أَردنا، وإِن كَانَ حَقًا فَقَدْ نَاقَضَ كِتَابَ اللَّهِ بِزِيَادَةِ الرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ.
فَهَذَا اتِّبَاعٌ لِلْمُتَشَابِهِ (٥)؛ لأَن الْكِتَابَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَفِي الشَّرْعِ أيضًا (٦) يتصَرَّف عَلَى وُجُوهٍ: مِنْهَا الْحُكْمُ وَالْفَرْضُ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٨)، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ (٩)، فَكَانَ الْمَعْنَى: لأَقضين بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ؛ أَي: بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي شُرِّعَ لَنَا، كَمَا أَن الكتاب يطلق على القرآن، فتخصيصهم

(١) يعني قول بعض المتصوفة القائلين بسقوط التكاليف الشرعية عمن وصل مرتبة الولاية، انظر في هذا القول والرد عليه: "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (٢/ ٩٥)، و(٧/ ٥٠٣).
(٢) في (خ): "المرأة هذه".
(٣) في (خ) و(م): "يا أنس".
(٤) أخرجه البخاري (٢٣١٤ و٢٣١٥ و٢٦٩٥ و٢٦٩٦)، ومسلم (١٦٩٧ و١٦٩٨).
(٥) في (غ) و(ر): "المتشابه".
(٦) قوله: "أيضًا" ليس في (خ).
(٧) سورة النساء: آية (٢٤).
(٨) سورة البقرة: آية (١٨٣). وفي (غ) و(ر): "القصاص" بدل "الصيام".
(٩) سورة النساء: آية (٧٧). وقوله: "القتال" ليس في (م).

2 / 64