الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع
محقق
سليم بن عيد الهلالي
الناشر
دار ابن عفان
رقم الإصدار
الأولى
سنة النشر
١٤١٢هـ - ١٩٩٢م
مكان النشر
السعودية
أَشَدُّ تَعَبًا عَنِ النَّفْسِ - لَذَّةً أَعْلَى مِنْ لَذَّةِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ. . . . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ عَنْ نَفْسِ الْمُتَنَاوَلِ؛ كَوَضْعِ الْقَبُولِ فِي الْأَرْضِ، وَتَرْفِيعِ الْمَنَازِلِ، وَالتَّقَدُّمِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ فِي الْأُمُورِ الْعَظَائِمِ، وَهِيَ أَيْضًا تَقْتَضِي لَذَّاتٍ تُسْتَصْغَرُ جَنْبَهَا لَذَّاتُ الدُّنْيَا.
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ فَأَيْنَ هَذَا الْمَوْضُوعُ الْكَرِيمُ مِنَ الرَّبِّ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ؟!
فَمَنْ يَأْتِي مُتَعَبِّدًا - بِزَعْمِهِ - بِخِلَافِ مَا وَضَعَ الشَّارِعُ لَهُ مِنَ الرِّفْقِ وَالتَّيْسِيرِ وَالْأَسْبَابِ الْمُوصِلَةِ إِلَى مَحَبَّتِهِ، فَيَأْخُذُ بِالْأَشَقِّ وَالْأَصْعَبِ، وَيَجْعَلُهُ هُوَ السُّلَّمَ الْمُوصِلَ وَالطَّرِيقَ الْأَخَصَّ؛ هَلْ هَذَا كُلُّهُ إِلَّا غَايَةٌ فِي الْجَهَالَةِ، وَتَلَفٌ فِي تِيهِ الضَّلَالَةِ؟ عَافَانَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ.
فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحِكَايَةٍ تَقْتَضِي تَشْدِيدًا عَلَى هَذَا السَّبِيلِ، أَوْ يَظْهَرُ مِنْهَا تَنَطُّعٌ أَوْ تَكَلُّفٌ؛ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا مِمَّنْ يُعْتَبَرُ؛ كَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ وَلَا ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى خِلَافِ مَا ظَهَرَ لِبَادِيَ الرَّأْيِ - كَمَا تَقَدَّمَ ـ؛ وَإِنْ كَانَ الثَّانِي؛ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي الْمُقْتَدِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
فَهَذِهِ خَمْسَةٌ فِي التَّشْدِيدِ فِي سُلُوكِ طَرِيقِ الْآخِرَةِ يُقَاسُ عَلَيْهَا مَا سِوَاهَا.
[فَصْلٌ أَصْلُ الْعَمَلِ مَشْرُوعًا وَلَكِنَّهُ يَصِيرُ جَارِيًا مَجْرَى الْبِدْعَةِ]
فَصْلٌ
قَدْ يَكُونُ أَصْلُ الْعَمَلِ مَشْرُوعًا، وَلَكِنَّهُ يَصِيرُ جَارِيًا مَجْرَى الْبِدْعَةِ مِنْ
1 / 445