نقول هذا لنؤكد للعالمين أن المسلمين هم أمة الدعوة إلى الله وأن الإسلام هو دين كل الأنبياء والمرسلين ؛ لأنه الدين الذي اختاره الله للعالمين وارتضاه دينا لكل المؤمنين الذين يؤمنون به وباليوم الآخر ويؤمنون بكل الكتب والرسل بلا تفريق. وعليه: فمن هذه صفته من أهل الكتاب فهو جدير بأن تكون الجنة له المآب حتى ولو كانوا يسمون باسمهم الذي عرفوا به، فاليهودية أو النصرانية اسمان أقرهما الله لهما في القرآن كما أن اسم المسلمين المعروف في القرآن هم (الذين أمنوا) فاليهود هم الذين هادوا إلى الله أي أسلموا وتابوا والنصارى هم الذين قالوا (نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون).
ثم إن الذين قالوا إنا نصارى هم أقرب مودة للمؤمنين وأرق قلوبا أمام الحق المبين. (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون) [المائدة: 82]. ولأنهم لا يستكبرون فإن النتيجة هي الاستجابة للحق المبين: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين(83)وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين(84)) [سورة المائدة].
إنهم يعتبرون القرآن قد جاءهم بالحق وأنهم يطمعون أن يكونوا مع الصالحين الذين يؤمنون بالحق، وكيف لا وهو لما عندهم قد صدق!! ولهذا فإن جزاءهم الجنة وعد محقق. يعلنه الله فيقول: (فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين) [المائدة:85]. هذا الفريق المحسن هو الفريق المستحق للجنة والموعود بالنعيم، وأما الفريق الآخر فهو كما يقول الله: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم) [المائدة: 86].
ألا ترون أن الأولين قد أثابهم الله الجنة بما قالوا، فالقول منهم كفاهم لينالوا ما به الله أثابهم. وهكذا فإن مجرد الإعلان بأن الحق قد جاء في القرآن مصدقا لما سبقه من الكتب المتضمنة للحق. هذا هو السبيل إلى الصلاح والإحسان، ثم إلى نيل جنات النعيم فذلك وعد لكل إنسان. سواء في ذلك من يسمى مسلما أو يهوديا أو نصرانيا إلا أي اسم آخر من الملل باطنة الدين المخلص لرب العالمين. هذا ما نفهمه من الآيات والذكر الحكيم، وهي آيات واضحة البيان، ظاهرة البرهان، لمن يتدبر القرآن بقلب سليم.
قد يسأل سائل: هل نحكم بهذا لهم حتى ولو لم يؤمنوا برسول الله محمد ولم يصلوا بالصلاة التي يصليها المسلمون والتي أوضحها خاتم النبيين؟؟. وأقول: هذا سؤال غير صحيح وغير متناسب مع ما قدمناه، ذلك أن من يؤمن بما أنزل الله من الكتاب ويتلوه حق تلاوته فإنه في محمد خاتم النبيين لا يرتاب وإلا فهو لا يتلو بصدق آيات الله ولا يؤمن بما أنزل الله بل هو كافر كذاب. وعليه: فإني حين أقول أن لهم الجنة إنما أنطلق من حقيقة أكدها القرآن وهي أن المؤمن بالله لا بد أن يؤمن بكل رسل الله وبكل ما أنزل الله وهذا هو الميزان الحق لكل عباد الله، وإذن فإن السؤال لا يورده إلا من لا يفهم القرآن ولا يعرف مراد الله.
أما قضية الصلاة فإن المراد بها الطاعة والالتزام بما أمر الله والإقامة على سبيله وما سبيله إلا العمل الصالح والمسارعة في الخيرات بيقين وتقوى وبابتغاء أجر الله لا سوى والاستقامة على ذكره في ما يتلى. وما الصلاة إلا شكل من أشكال العمل الصالح بل ما الصلاة إلا دعوة ولهذا يقول الله: (اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون) [العنكبوت: 45]. فإذا لم تكن الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، وإذا لم يكن المصلي ذاكرا لله في كل حال ومنه يحذر؛ فإنه لم يقم الصلاة لأن كل سعي الإنسان يجب أن يكون صالحا يبتغي وجه الله وهذه هي حقيقة الصلاة، ولهذا ختمت الآية بقوله: (والله يعلم ما تصنعون).
ومعنى هذا أن الإنسان مسؤول عن كل حركة وسكون وعن كل قول وسكوت وعن كل عمل ووقوف وعن كل سعي ومراد، والله لكل ذلك بالمرصاد. فإذا لم يعمل الإنسان الصالحات فهو لا يعرف معنى الصلوات ولا يقيمها. وعليه: فشكل الصلاة وهيئتها لا تهم عند الله، فليصل كل الإنسان كما هي صلاته في ملته، وكل حسب وجهته، المهم أن يكون الله هو المقصود في صلاته وفي مهماته، فالبر هو العمل الذي يعني أن الله أكبر لا العمل الذي لا يهتم إلا بالمظهر.
ولتأكيد أن الله لا يهمه المظاهر، ولكن المعول عليه لديه هو المخبر؛ يقول: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) [البقرة:177].
ألا تلاحظوا أن بذل المال كان هو الأهم في هذه الأعمال، وأن السمو الأكبر للإنسان والوفاء بالعهود هو الإحسان، وأن الصبر في البأساء والضراء هو الصدق والتقوى. فالصلاة إنما وردت في وسط الأعمال الصالحة وكأنها إن لم تشع بالنور في كل الأعمال فإن المصلي غافل عن صلاته ساهي، وليس من الأبرار ولا من الصادقين ولا من المتقين، مع العلم أن الأبرار والصادقين والمتقين هم أصحاب الجنة. فإذا لم تكن بصلاتك من هؤلاء فإن عملك هباء.
وهكذا فإن كل آيات القرآن التي تعد الناس بالجنة والفوز في الآخرة تجعل العمل الصالح هو المعراج إلى ذلك، ولست بحاجة إلى إيراد الآيات فهي كلها بلا استثناء فلنقرأها أنت لتجد الحقيقة جلية بلا خفاء. وعليه: فإن العمل الصالح في الدنيا هو السبيل لكل فائز مفلح في الأخرى، وليس هذا خاصا بالمسلمين بل لكل إنسان على الدين ولو كان يهوديا أو نصرانيا أو على ملة من الملل الأخرى التي تؤمن بالله ولا تشرك، اقرأ إذا شئت قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [البقرة:62]. وهذه الآية التي وردت في البقرة تكررت بالنص في سورة أخرى، مما يؤكد أن الميزان عند الله هو التقوى والصلاح وذلك يتحقق بالإيمان بالله واليوم الآخر وهذا هو خلاصة وأساس كل رسالة ومهمة كل رسول، وواجب من اتبعهم بلا تفضيل.
صفحة غير معروفة