إن المستمع إلى هيكتور وأندروماك ليعرف أن رؤية هيكتور القاتمة للمستقبل في واقع الأمر سوف تتحقق. إن هيكتور وأندروماك، وأستياناكس هم أسرة، على عكس زواج باريس وهيلين الذي لم يثمر عن أطفال، والقائم على الشهوة، والذي لا يؤدي إلى شيء إلا الموت. إن انغماسهما في الملذات، وعبوديتهما للمتعة الأنانية سوف يؤديان إلى هلاك المدينة، التي ما هي إلا مجموعة من البيوت ومن الأسر التي تقيم فيها. (9) «المبارزة بين هيكتور وأياس» (الكتاب 7)
يجري نطاق «الإلياذة» الزمني في مجمله عبر عدة أسابيع، إلا أن الأحداث كلها تقريبا تجري في أربعة أيام ويومي هدنة (من الكتاب الثاني إلى الثاني والعشرين). لم نكمل بعد اليوم الأول للقتال حينما يرجع هيكتور إلى السهل، هذه المرة بصحبة باريس. قد نتوقع أن تغيب الشمس، كختام ليوم جيد، إلا أن مشهد «هيكتور وأندروماك» يدفعنا إلى توقع أحداث فورية. وكالمعتاد تتدخل الآلهة للمضي قدما بالأحداث؛ فبتحريض من أبولو ، يطرح هيكتور فجأة تحديا على الآخيين للنزال في مبارزة، فما زال ثمة مشهد آخر، مثل مشاهد «قائمة السفن»، و«هيلين على الأسوار»، و«المبارزة بين مينلاوس وباريس»، ينتمي إلى السنوات الأولى للحرب.
كان مشهد «المبارزة بين مينلاوس وباريس» مشهدا هزليا صاخبا وكأنه سيرك، إلا أن المبارزة يمكن أن تتيح للشاعر أن يعطي مثالا على السلوك الرجولي والفضيل. فيصرح هيكتور بأنه سوف يمنح خصمه مدفنا لائقا، إن سقط، وأنه يتوقع المعاملة نفسها، إلا أن المنتصر يمكنه الاحتفاظ بالدرع. يصور المشهد رجالا نبلاء في مسعى نبيل، فكل شيء يساعد على تحقيق السؤدد والخير العظيم الذي يستتبعه، وهو الاشتهار الأبدي.
يتطوع مينلاوس لقتال هيكتور، ولكن سرعان ما يكبح جماحه [على يد أجاممنون]. فهو ليس ندا لهيكتور (رغم أنه قد أبلى بلاء حسنا في ميدان القتال)، وعلى أي حال فقد كان صبيحة ذلك اليوم في مبارزة مع باريس. ويتطوع تسعة أبطال. ومن أجل أن يحسموا الأمر، يضع كل واحد منهم علامة على قرعة ويضعها في سلة. قد يكون هوميروس أشار ها هنا إلى الكتابة، لو كان يعرف أي شيء عن الكتابة. وتتطاير قرعة أحدهم خارجة من السلة ويمر بها البشير على الصف إلى أن يتعرف أياس على العلامة.
تتبع المبارزة أسلوبا متقنا؛ إذ يتواجه الخصمان، أياس بترسه المتفرد «الذي يشبه جدار مدينة»، والذي يعيد على نحو واضح إلى الأذهان شكل الدرع في العصر البرونزي. ويصرح كل منهما بأنه رجل ذو بأس، وهو نوع من التجاوز اللفظي الشعري القتالي الذي يطلق عليه أحيانا
flyting «المساجلة اللفظية/المهاجاة» (وهو يكافئ ما يدعوه الأسكتلنديون
contention
أي «الإلحاف في الهجاء»). في الحقبة الكلاسيكية كان مقاتل الهوبليت يحمل رمحا طعنيا منفردا ثقيلا لم يكن يقذفه أبدا، ولكن في القصائد الهوميرية نجد أن الرمح يقذف. فيلقي هيكتور أولا، ولكن درع أياس يصمد؛ ففي القتال الهوميري لا تكلل الرمية الأولى أبدا بالنجاح. ثم يلقي أياس رمحه ويخترق الرمح درع هيكتور وصداره ولكنه لا يلحق به أذى. عندئذ يسحب الرمح المغروز في درعه ويوجه به طعنة إلى خصمه. ويجرح هيكتور جرحا طفيفا. ومن الواضح أنهما حينئذ يلقيان الرمحين؛ لأن الأمر التالي الذي نعرفه هو أن كلا منهما يلتقط حجرا ضخما ويرميه نحو الآخر. وكالعادة تخيب الرمية الأولى. ويطرح حجر أياس هيكتور أرضا، ولكنه سرعان ما ينتصب.
من المتوقع الآن، بعد أن استنفدا رمحيهما وألقيا حجريهما، وكما هو معتاد، أن يسحب المتبارزان سيفيهما القصيرين من غمديهما ويتجالدا بهما في مواجهة مباشرة، ولكن لإبراز الشكل الرسمي المنهجي لهذه المبارزة، يتدخل رسولان ليفضا الاشتباك بينهما. لقد أثبت كل رجل منهما جدارته. ومنح كل منهما الآخر هبة نابعة من الاحترام المتبادل، وهي تعادلهما في مباراة السلوك المشرف، مثلما يحدث في حدث رياضي. وهكذا تتضافر الحرب والمنافسة الرياضية تضافرا وثيقا في «المبارزة بين هيكتور وأياس».
يبدو مستغربا أن هوميروس قد أدخل مبارزتين في يوم واحد، ولكن الجمهور مأخوذ بفيض السرد ولا يشعر بمرور الوقت على نحو صحيح. إن تلك الأحداث لا تؤدي إلى أي شيء فيما بعد في القصيدة، ولكنها تستكشف طبيعة الحرب والشخصيات المتورطة فيها. لقد عرفنا بشأن أياس (الأعظم شأنا) ومينلاوس وأوديسيوس وإيدومينيوس، وبشأن هيكتور الطروادي، وبريام، وباريس (وهيلين). وختاما للعرض التفصيلي الطويل، يدعو نيستور إلى هدنة لدفن الموتى، وفي انتقال آخر لافت أيضا إلى بداية الحرب، يوصي نيستور بأن يبني الآخيون جدرانا ترابية لحماية السفن، وفي العام العاشر للحرب يبنون جدارا دفاعيا! الأمر ببساطة أن هوميروس سوف يحتاج إلى هذا الجدار في القتال القادم، ولهذا يدخله إلى القصة.
صفحة غير معروفة