600

حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر

محقق

محمد بهجة البيطار - من أعضاء مجمع اللغة العربية

الناشر

دار صادر

الإصدار

الثانية

سنة النشر

١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م

مكان النشر

بيروت

زمانه في الوزارة مع كمال عقله، ووفور رأيه، حتى إن كسوته الرسمية يوم العيد مكتوب على صدرها شيخ الوزراء بالطراز الملوكاني المذهب، لأن هذا كان لقبه خاصة، ثم إن السلطان عبد المجيد أرسله سنة ستين ومائتين وألف شيخًا على الحرم النبوي، فاشتغل هناك في العبادة، وتفرغ لها فوق العادة، وكان مرجع الخاص والعام، فيما يشكل على العلماء الأعلام، وقرأ بها للطلبة كثيرًا من الكتب والفنون النادرة، وانتفع به العموم فيما يتعلق بدنياهم والآخرة. وفي سنة سبع وستين ومائتين وألف ذهبت مع والدي إلى الحجاز الشريف، فاجتمعت مع والدي به في المدينة الشريفة، وكان رجلًا كبيرًا مهابًا عليه سيما الفضل والصلاح، وله خضوع وذل وسكينة وتواضع. وكان يمضي بينه وبين والدي الوقت الطويل في المذاكرة، وقد تبركت به وبدعواته. وفي ليلة عاشوراء حين قراءة المولد النبوي الشريف بين العشائين أمرني والدي بقراءة عشر من القرآن، وكان المسجد قد غص بأهله، وكان قد حضره كذلك المترجم المذكور، وكان جلوسه بجانب والدي في الجهة الشمالية من الحرم الشريف متوجهين إلى القبلة، فغب قراءة العشر وإتمام المولد قبلت يده، فدعا لي وبش في وجهي وأظهر لي الالتفات والمحبة، وكان قد أخبر أن مراده أن يفتح مدرسة بأمر الدولة في المدينة للإفادة والاستفادة في سائر العلوم والفنون، ولكن اخترمته المنية قبل تمكنه من ذلك في تلك السنة، وهي سنة سبع وستين ومائتين وألف، ودفن في البقيع الشريف تجاه قبة سيدنا عثمان بن عفان ﵁، وأمر أن لا يبنى عليه تابوت ولا قبة اتباعًا للسنة، فجعلوا له شباكًا من الحديد حول قبره. ومن آثاره بالمدينة البستان المعروف بالداودية خارج المدينة، بقرب سيدنا محمد الزكي عند منهل العين الزرقاء. ولما أتم بناءه وغرسه أرخه شاعر العراق بالاتفاق الشيخ صالح التميمي بقصيدة، وجعل آخرها

1 / 605