الحكايات
محقق
السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
الإصدار
الثانية
سنة النشر
1414 - 1993 م
الحكايات في مخالفات المعتزلة من العدلية والفرق بينهم وبين الشيعة الإمامية من أمالي الإمام الشيخ المفيد محمد بن محمد النعمان ابن المعلم أبي عبد الله، العكبري، البغدادي (336 - 413 ه) عرض ورواية السيد الشريف المرتضى علي بن الحسين بن موسى أبي القاسم الموسوي البغدادي (355 - 436 ه) تحقيق السيد محمد رضا الحسيني الجلالي
صفحة ٣
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا الرسول الأمين، وعلى الأئمة الطاهرين من آله الطيبين.
صفحة ٥
تقديم:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى الأئمة من آله حجج الله.
وبعد:
في عام (1408) طبع هذا الكتاب بتحقيقي في العدد السادس عشر من نشرة " تراثنا " الفصلية، التي تصدرها مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، في مدينة قم المقدسة.
وكنت قد اعتمدت في تحقيقه على ثلاث نسخ، وقدمت له مقدمة مسهبة احتوت على: دعوة لإحياء الذكرى الألفية لوفاة مؤلفه الشيخ المفيد رحمه الله (413 - 1413).
واحتوت على حديث عن أقسام التعاليم الإسلامية، ونشوء الفرق الكلامية، والخلط بين المذاهب، ونبذة عن حياة الشيخ المفيد قدس الله سره، وعن هذا الكتاب.
ولقد قيض الله من حقق الرغبة ولبى الدعوة لإحياء الذكرى الألفية، فرغب إلي في إعادة طبع هذا الكتاب، ضمن ما عزم على نشره من تراث الشيخ المفيد (رضوان الله عليه).
صفحة ٧
ولقد تم تصميم القائمين على هذا الأمر أن يعيد نشره ثانية، بصورة مستقلة.
فقمت بقراءة ثانية للكتاب، مع اعتماد نسختين أخريين منه في العمل، وتقديم كلمة قصيرة عن موضوع الكتاب، ونسبته، ونسخه، ومنهج العمل فيه.
آملا أن يحوز رضا المراجعين الفضلاء.
ولله الحمد في الأولى والآخرة، إنه ولي التوفيق، وهو نعم المولى، ونعم النصير.
وكتب السيد محمد رضا الحسيني في 25 رجب المرجب 1412
صفحة ٨
المقدمة 1 - على الأعتاب يعتبر القرن الرابع الهجري - عند بعض الدارسين حول التاريخ الاسلامي - عهدا مميزا بأهمية خاصة من بين القرون التي سبقته ولحقته.
وربما بكون بين أسباب ذلك أنه القرن الذي سبقته ثلاثمائة عام، كانت كافية لأن ترسو فيها الأمة على شاطئ الاستقرار والأمان، في السياسة والقانون والعقيدة، بعد أن مرت بالتجارب العديدة واللازمة والمتفاوتة في أشكال الحكم وأنظمته، وفي المدارس الفقهية ومناهجها، وفي الآراء والعقائد ونظرياتها، كما كان المفروض أن يتم الازدهار على كافة الأصعدة، بعد أن جرب كل أصحاب القدرات والمهارات المهنية والصناعية والعملية حظوظهم، وحتى بعد أن امتلأ أصحاب الشهوات والأهواء من أمنياتهم ورغباتهم التي حصلوا عليها، بعد أن عانت الأمة وعاشت كل الآلام والآمال، ووقفت على كل التجارب، وحان لها أن تقترع على الشكل النهائي والأفضل، والذي يتمثل فيه " الحق الاسلامي " الذي تنتمي إليه الأمة بكاملها، على اختلاف أهوائها ومذاهبها، والعنوان الكبير الذي لا يزال له الهيبة والرسم، وإلى وده وحبه تتسابق كل الفئات، وكل يدعي وصلا به، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى: نجد في هذا القرن خاصة، الزمان الذي تكاملت فيه مصادر المعرفة الإسلامية، وجمعت وضبطت، بحيث لم
صفحة ٩
يشذ عن حيطة الدارسين ما يعذرون بجهله.
وملاحظة أخرى تعتبر هامة: أن الثقافات غير الإسلامية، أصبحت تظهر نشاطا خاصا بعد أن تمادى بالأمة البعد عن التعاليم الإسلامية، فتردت في مهاوي الفراغ العقائدي، والفساد الخلقي، والضعف العسكري، فوجدت تلك الثقافات منافذ للتسلل إلى المجتمع الاسلامي، مستغلين ذلك، إلى جانب السماح الاسلامي المتبني لمبدأ " لا إكراه في الدين ".
ولقد حاولت المذاهب والفرق المختلفة من اتخاذ المواقع المحددة، للحفاظ على نفسها وعلى المنتمين إليها، فرسمت لأنفسها الحدود العقيدية، حسب مناهجها الفكرية، كما حصل للمذهب السني على يد منظره العقيدي أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (ت 330) الذي حدد معالم " العقيدة الأشعرية " في مؤلفاته، فظلت ملتزما بها، عند أهل السنة حتى اليوم!
وبالنسبة إلى مذهب الشيعة، فإن هذا القرن كذلك كان مميزا ومهما:
في بداياته واجهت الطائفة مسألة غيبة الإمام عليه السلام بشكل جديد، وهو أمر - وإن سبقت له أمثلة - إلا أنها في هذه المزة كانت أدق، وأوسع مدى.
وفي هذا الظرف بالخصوص كانت النصوص الشرعية المباشرة قد تكاملت، ولم يتوقع بعد ذلك صدور نص جديد، بفرض الغيبة الكبرى للإمام عليه السلام الذي يعتبر مصدرا ممتدا للتشريع.
صفحة ١٠
وعندها أقدم واحد من كبار علماء الشيعة في ذلك العصر، بتجميع كافة ما توفر من النصوص المعتمدة، للمعرفة الإسلامية، وهو الإمام أبو جعفر الكليني محمد بن يعقوب الرازي (ت 329) الذي ألف كتاب (الكافي) فاعتبر مجددا للاسلام في مطلع القرن الرابع الهجري، وكذلك عمد الأعلام من معاصريه بتأليف النصوص وتجميعها، لتكون نواة لاستنباط الأحكام، والتفريع على أساسها.
ومن هذا ارتأينا في بعض بحوثنا أن يسمى هذا العصر بعصر " تحديد النصوص ".
ومن ناحية سياسية: فإن هذا القرن شهد انفراجا أمام الطائفة الشيعية ليظهروا قابلياتهم على الساحة، فتمكن العديد من أبنائها بجهودهم من الفوز بمواقع هامة، والاحتواء على حقائب وزارية - باصطلاح عصرنا - أو تولي إمارات البلدان الكبرى في الدولة العباسية، كما تغلبت بعض الطوائف الشيعية على مقاطعات من الإمبراطورية الإسلامية بالنضال والحرب، كما كان بالنسبة إلى الزيدية في اليمن، والفاطميين في المغرب.
وكان لهذا، ولوجود الأمراء الشيعة ضمن الدولة المتمثلة في نظام الخلافة العباسية في بغداد - كالحمدانيين في الموصل وحلب الشهباء والبويهيين في الري وفارس وأصبهان - أثره الفعال في انعطاف السياسة الحكومية السنية - ظاهرا - تجاه الطائفة الشيعية والمذهب الشيعي، واتخاذ مواقف أكثر مرونة، أو ديمقراطية - إن صح التعبير -.
وتمكن الشيعة في ظل هذه الظروف من التنفس والتواجد في الساحة بحرية، بالرغم من المشاغبات الطائفية التي كان يثيرها الجهلة
صفحة ١١
من العوام، أو بتدخل بعض المتعصبين من علماء السوء أو المغفلين، وحتى بفعل الحكام المنتهزين للفرص.
فكان على علماء المذهب أن يعلنوا عن مواقفهم الصريحة والمحددة تجاه المسائل المعروضة على الساحة، ويدافعوا بكل ما أوتوا من قوة، كي يتموا الحجة على من لا يعرف، ويدحروا اتهامات المغرضين، فكان أن انبرى أعلام الطائفة ببياناتهم وتأليفاتهم، بعرض تفاصيل العقائد الحقة، وبصورتها المتكاملة والمتطورة، في هذا القرن.
والذي تزعم هذه الحركة الخطيرة ومع أتم الصلاحية وكل العزم وأشد القوة، هو الشيخ الإمام أبو عبد الله المفيد محمد بن محمد بن النعمان، البغدادي، العكبري (ت 413) لقد تمكن هذا الشيخ العظيم من تحديد ما يجب اعتقاده للشيعة الإمامية، مميزا لعقائدهم الحقة من بين مقالات الفرق الشيعية الأخرى.
أما الفرق غير الشيعية، فإن له معها مواقف حاسمة في مجالسه، ومناظراته، وبحوثه، وكتبه، حول المواضيع المطروحة على الساحة يومئذ، وهي معروفة من خلال قائمة مؤلفاته وعناوين مناظراته.
والحق أن الشيخ المفيد، قد استفاد من الأوضاع التي عاصرها، والتي كانت ملائمة إلى حد ما، في المجالات السياسية والاجتماعية والعلمية، فائدة كبيرة وفخمة، وبجودة ودقة فائقة حتى اعتبر - بحق - مرسي قواعد المذهب، ومشيد صرح الدين ورافع أعلام الحق، ومناصر المؤمنين، فله على كل الطائفة " منة " مدى القرون.
صفحة ١٢
إنه تمكن - بقدرته الفائقة في العلم والبيان، وموقعه الرفيع بين أعلام الأمة - من تشييد أصول المذهب، والاستدلال على عقائده الحقة بأقوى ما لدى المسلمين من أدلة معتمدة على مصادر المعرفة من قرآن، وحديث، وإجماع، ومناهج عقلية، ومسالك عرفية مسلمة، وعلى أسس علمية رصينة، بعد أن كانت قد غمرتها ترسبات سياسات الخلافة الظالمة، وتعصبات الطائفية الجاهلية، وتعديات الأعداء الحاقدين، فصمت الآذان عن سماعها، وعمهت قلوب وعقول عن تعقلها والانتعاش بحقها.
فكان الشيخ المفيد البطل الذي اقتحم أهوال الميدان، فأعلن عن حق أئمة أهل البيت عليهم السلام في الدين ومعارفه، وفي الدنيا وولايتها، وفي الآخرة وشفاعتها.
ولقد قام الشيخ بهذا كله، إلى جانب ما كان يتمتع به من مرجعية عامة في الأحكام، وموسوعية تامة في العلوم، وبتدبير وحنكة، وإلى جانب ما كان يبذله من جهود جبارة في تربية جيل من الأعلام، فكان العملاقان: السيد المرتضى، والشيخ الطوسي من تلامذة مدرسته العظيمة.
فلكل ذلك استحق بجدارة وسام " التجديد " في مطلع القرن الخامس، وأكرم به (1).
صفحة ١٣
2 - أقسام التعاليم الإسلامية تنقسم تعاليم الاسلام إلى قسمين رئيسيين:
الأول: الأحكام الشرعية المرتبطة بتحديد أفعال المكلفين من عبادات ومعاملات، والحكم عليها بأحد الأحكام الخمسة.
الثاني: العقائد، والالتزامات الفكرية للانسان المسلم.
وقد اختلفت الفرق والمذاهب الإسلامية في تحديد مصادر هذه التعاليم.
أما القسم الأول:
فقد قال قوم بأن مصدره هو خصوص الطرق المقررة من قبل، الشارع نفسه، ولا يمكن أن يتدخل العقل - بأي شكل - في تحديد التكليف الشرعي، وهؤلاء هم " المحدثون ".
وقال قوم بأن مصدره هو الطرق المقررة: إن وجدت، وإلا فإن الدليل العقلي يكشف عن وجود التزام شرعي على طبقه، وهم " المجتهدون ".
ومحل تفصيل هذين القولين، بما لهما من الخصوصيات، والمضاعفات، واللوازم، هو علم أصول الفقه.
صفحة ١٤