{ قل } لعبدت الأصنام { من ينجيكم من ظلمات البر والبحر } قيل ظلمات البر والبحر ظلمة الليل بلا سحاب، وظلمته بسحاب، وقيل ظلماتهما الضلالة عن الطريق فيهما ليلا أو نهارا فى ظلمة أو ضوء، فذلك استعارة للفظ الظلمات لخطأ السبيل فيهما بجامع الهلاك، والأولى أن يقال هى شدائد البر والبحر كلها من ضلالة الطريق، لظلمة الليل والسحاب أو غيرهما، ومن الخسف، ومن الريح العاصف، والموج الهائل، وضرب السفينة للجبل، ودخول طرفها فى الدردور، وانكسارها، والغرق، وملاقاة العدو فى البر والبحر، وهجومه، والسبع والمضار كلها على الاستعارة، كما يقال يوم مظلم قال الشاعر
*لكن لكم يوم من الشر مظلم*
ويقال يوم ذو كواكب، وقرأ يعقوب بإسكان نون ينجيكم وتخفيف جميعه، والاستفهام للتوبيخ والنفى، أى لا مخلوف ينجيكم وهو إلزام وتبكيت لهم. { تدعونه تضرعا وخفية } لينجيكم من تلك الظلمات، والتضرع والخفية مفعولان مطلقان، فإن التضرع الجهر، والخفية الإسرار، وهما الدعاء، والدعاء هما، أى يدعون دعاء جهيرا أو دعاء خفيا، أو يجهرون فى دعائهم جهرا، ويستخفون فيه خفاء أو يقدر مضاف أى تدعونه، دعاء تضرع ودعاء خفية، أو حالان، أى ذوى تضرع وذوى خفية، أو متضرعين ومخفين، وقرئ بكسر الخاء وهو لغة فى خفية بضمها، والجمهور على الضم، ونسب بعضهم الكسر إلى عاصم فى رواية أبى بكر عنه، وهو على كل حال من الخفاء وقرأ الأعمش خفية بالكسر من الخوف، وجملة تدعونه حال من الكاف. { لئن أنجيتنا من هذه } مفعول لحال محذوفه، أى قائلين لئن أنجينا من هذه الظلمات، ومحكى لتدعونه، لأن فيه معنى القول مع زيادة المعنى الذى تعدى به إلى الهاء، والإشارة إلى الظلمات، وأفرد اللفظ بتأويل الجماعة، أو الجملة، أو وجه قصد معنى الجمع أنه كلما وقع قوم أو فرد فى ظلمة دعوا الله فى الخلاص منها قائلين لئن أنجيتنا من هذه الظلمة، فتجتمع منهم ظلمات، وقد تكرر من قوم واحدة ظلمات كل على حدة أو بمرة فجمعها، ويجوز عود الإشارة إلى الظلمة الواحدة على الأصل، ووجه هذا القصد أن يذكر الله حقيقة دعوة كل واحد وكل قوم عند الظلمة، الواحد على العموم البدلى، وقرئ لئن نجيتنا بالشديد فتح النون وإسقاط الهمزة، وقرئ لئن أنجانا بالألف. { لنكونن من الشاكرين } لنعمتك بالإيمان بجميع ما يجب الإيمان به، وعبادتك وحدك، وفى معنى ذلك، أو يقال من الشاكرين بمعنى من المؤمنين، والمراد شكر نعمتى الانجاء وغيره أن المضطر يعد من نفسه ما لا يفرح به ويغتبط أحقر أحواله من قبل ما دام مضطرا.
[6.64]
{ قل الله ينجيكم منها } من الظلمات، أو الظلمة على حد ما مر وشدد الكوفيون وهشام والجيم، وفتحوا النون، أمر الله جل وعلا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم الله ينجيكم منها، لأنه لا محيل لهم عن هذا الجواب، نطقوا به أو سكتوا أو جحدوه عنادا، والواقع أنه لم يجحدوه. { ومن كل كرب } غم شديد يأخذ النفس غير تلك الظلمات، { ثم أنتم تشركون } تعودون إلى الشرك لنسيانكم وقت الشدة، فلا توفون بالعهد، وثم بيان لبعد منزلة الشرك عن رتبة إقرارهم ووعدهم، وذلك أنهم يقرون بأن الله هو المنجى، ولو جاء على لسان نبيه عنهم فى { قل الله ينجيكم } ويجوز العطف على تدعونه، فتكون ثم لتراخى الحكم، أعنى تراخى وقوع الإشراك عن دعائهم.
[6.65]
{ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } كإرسال الماء من السماء على قوم نوح، والريح على عاد، والصيحة على ثمود، والحجارة على أصحاب الفيل، وعلى قوم لوط بعد أن قلبهم { أو من تحت أرجلكم } كما خسف قوم شعيب، وكما أرسلت الأرض ماءها لهلاك قوم نوح إرسال السماء، وكما قلبت الأرض على قوم لوط، فإنها تحت أرجلهم، ثم رفعت فكانت عليهم، وكما أغرق فرعون فإن الماء المستقر فى الأرض مما يوصف بأنه تحت الأرجل، إذ يدخل فيه بالأرجل فى الجملة، وإذ هو فى الأرض التى تحت الأرجل. وعن السدى، عن أبى مالك من فوقكم الرجم، ومن تحت أرجلكم الخسف، وهو أيضا مروى عن مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك، وعن مجاهد وابن عباس من فوقكم السلاطين الظلمة، وحكام الجور، ومن تحت أرجلكم العبيد والسفلة، وقيل من فوقكم حبس المطر، ومن تحتكم منع النبات، والظاهر أن الخطاب للمشركين فى قوله { على أن يبعث عليكم } إلخ كما هو لهم فى قوله { قل الله ينجيكم ثم أنتم تشركون } وما قبله، وقال أبى بن كعب وجملة هو للمؤمنين، قال جابر بن عبد الله وغيره، عن النبى صلى الله عليه وسلم لما نزل { قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم } قال " أعوذ بوجهك " ولما نزل { أو من تحت أرجلكم } قال " أعوذ بوجهك " ولما نزل { أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض } قال " هذه أيسر وأهون " ، استدل بهذا الحديث من قال الخطاب للمؤمنين وهو ضعيف، لبعد أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم تعوذ لأمته من هذه الأشياء التى توعد بها الكفار وهون الثالثة، وقد رجح أبو عبد الله محمد بن جرير الطبرى أنه ليس للمؤمنين، وقال إنه للمؤمنين جماعة منهم ابن عباس، ومجاهد ، وابن زيد، وابن العالية، وأبى بن كعب قالوا جميعا معنى { يلبسكم شيعا } الأهواء المختلفة، ومعنى { يذيق بعضكم بأس بعض } القتال الذى وقع بين الصحابة وسفك الدماء، فهاتان اثنتان وقعتا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس وعشرين سنة، وبقيت اثنتان بعث العذاب من فوق، وبعثه من تحت، وهما لا بد واقعتان عندهم بعد ذلك، قال أبو العالية الخسف والمسخ، وقال أبى الخسف والرجم. قال سعد بن أبى وقاص
" أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم من العالية، حتى إذا مر بمسجد بنى معاوية، دخل فركع فيه ركعتين فصلينا معه، ودعا ربه طويلا ثم انصرف إلينا فقال " سألت ربى ثلاثا أعطانى ثنتين ومنعنى واحدة، سألت ربى أن لا يهلك أمتى بالسنة أى بالجوع فأعطانيها أى أعطانى مسألتى، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فأعطانيها، وسألت ربى أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها "
وهذا الحديث يفيد أن الخطاب للمؤمنين، ويجاب بأن المراد سألت ربى أن لا يفعل بأمتى ما قال فى الآية إنه قادر على فعله بالمشركين، من لبسهم شيعا، وإذاقة بعضهم بأس بعض. ويروى
" سألت ربى أن لا يظهر على أمتى أهل دين غيرهم فأعطانى ذلك "
صفحة غير معروفة