941

وجعل لكم الليل لتسكنوا فيه

وأما على أن قوله { سكن } من السكنى فقدم الليل لتقدم الظلمة، وجود الصحيح عند المفسرين أن سكن هنا من السكنى، وعندى أنه من السكون ضد الحركة. { وهو السميع } العليم بكل ما قيل { العليم } بذات الصدور، وكل ما كان من فعل أو ترك فيثبت ويعاقب، فهذا تضمن وعدا ووعيدا للمؤمنين والكافرين.

[6.14]

{ قل أغير الله أتخذ وليا } استفهام إنكار، وقدم غير على أتخذ، مع أنه مفعول به لأتخذ، لأنه المستفهم عنه، والمستفهم عنه يلى همزة الاستفهام، وذلك أن الإنكار فى كون غير الله وليا لا فى مطلق اتخاذ الولى، وقيل لو أخر عن أتخذ لأفاد ذلك، ولكن تقديمه أتم فى ذلك على طريق العرب فى التقديم للاهتمام، والولى الناصر والمعين، قال مجاهد والطبرى لما دعا المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين آبائهم نزلت هذه الآية. { فاطر السماوات والأرض } منشئهما وبادعهما، قال ابن عباس رضى الله عنهما ما عرفت ما فاطر السماوات والأرض، حتى أتانى أعرابيان يختصمان فى بئر، فقال أحدهما أنا فطرتها، أى ابتدأتها، وفاطر نعت للفظ الجلالة، وقرئ فاطر بالرفع خبر لمحذوف، أى هو فاطر، وقرئ فاطر بالنصب أى أعنى بالله فاطر السماوات والأرض، أو أمدحه، وإضافة اسم الفاعل الذى للماضى تفيد التعريف، إذ كانت للمعرفة، فصح أن يكون فاطر نعتا للفظ الجلالة، ولا يمنع من ذلك فصله باتخذ وليا، لأن اتخذ عامل فى عامل منعوت، فإن المنعوت لفظ الجلالة وعامله غير، وغير مفعول لأتخذ، وذلك مذهب الجمهور، وقال أبو البقاء فاطر بدل من لفظ الجلالة، لأن للماضى كما قرأ الزهرى فطر السماوات والأرض بصيغة الفعل الماضى، وفتح ضاد الأربع نصب به، وقيل البدل أولى من فصل النعت إذ البدل على نية تكرار العامل. { وهو يطعم } يرزق عباده ما يكون { ولا يطعم } لا يرزقه أحد، لأنه لا يأكل، وأنه المالك لكل شئ، ولا يحتاج لشئ، ولو قال وهو يرزق ولا يرزق لعم ما ينتفع به مأكولا أو مشروبا أو غيرهما، لكنه ذكر الطعام، لأن الحاجة إليه أشد، ويفهم الشراب منه، لأنه يبنى على الأكل، أو يدخل فى الطعام، لأنه قد يقال طعمت الماء، وجملة هو يطعم حال من المستتر فى فاطر مستقبلة، لأن الإطعام بعد خلق السماوات والأرض، لأن ما يأكل خلقه بعد خلقهما إلا أن يعتبر الحوت فى الماء قبل أن يخلق الأرض والسماوات، والحوت الحامل للخلق، والطائر الذى يأكل فى كل يوم خردلة حتى فنيت، وقد ملأت سبع دنيا كل مقدار دنيا كدنيانا هذه أو أكثر من سبع أو أقل، ونحو ذلك مما يذكر فى القصص، فتكون الحال مقارنة، أو الجملة معطوفة على جملة، هو السميع العليم. وقراءة رفع فاطر تعطف على جملة هو فاطر، وقرئ ولا يطعم بالبناء للفاعل، أى ولا يأكل بفتح الياء والعين، والضمائر فى القراءتين لله، وكذا فى قراءة الأشهب ببنائهما للفاعل من الرباعى، أى يطعم تارة ولا يطعم أخرى بحسب الحكمة، مثل يقبض ويبسط، أو المعنى ولا يستطعم، حكى الأزرى أطعم بمعنى استطعم، وهذا بعيد، وقرئ وهو يطعم بالبناء للمفعول ولا يطعم بالبناء للفاعل بضم الباء، وكسر العين والضمائر لغيره فى قوله { أغير الله } أى كيف أتخذ غير الله وليا، والحال أن غير الله يطعمه ولا يطعم هو غيره، إلا أن قدر الله ذلك فهو كسائر الحيوانات الناس وغيرهم، أو يعتبر أن الناس يطعمون غيرهم، وبعضهم بعضا، والدابة لا تطعم غيرها، فيكون قد نزل عن درجة الناس، إلا أن الدابة أيضا قد تطعم الناس كالجارحة الصائدة وتطعم الدابة دابة أخرى، وهذه القراءة عن ابن المأمون عن يعقوب.

{ قل إنى أموت أن أكون أول من أسلم } لأن النبى يسبق أمته فى الدين، ولو جاءهم وهم مؤمنون لأنه سابق فيما يوحى إليه، قال الله جل وعلا

وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين

وهذا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال موسى

سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين

{ ولا تكونن من المشركين } عطف على قل عطف نهى على أمر، أى قل كذا ولا تكن من كذا، كقولك افعل كذا ولا تفعل كذا أو محكية بقيل محذوفا، والمحذوف معطوف على محكى قل أى قل إنى أمرت أن أكون أول من أسلم، وقيل لى ولا تكون من المشركين، كأنه قيل وقل قيل لى لا تكونن من المشركين، ولو عطف لا تكونن على أن أكون لقيل، ولا أكون، نعم قد يجوز هذا العطف على طريق الالتفات من التكلم إلى الخطاب.

[6.15]

صفحة غير معروفة