915

{ ومن عاد فينتقم الله منه } ومن عاد الى الصيد حال الاحرام عمدا بعد ذلك التحذير، فهو ينتقم الله منه، ومعنى من عاد من وقع فى الصيد، سواء قد صاد قبل أو لم يصد فعاد مجاز مرسل للاطلاق والتقييد، أو أحدهما وانما قدرت المبتدأ فيكون ينتقم خبره، وجملة المبتدأ والخبر لأن ينتقم لو كان وحده هو الجزاء لجزم ولم يقرن بالفاء، لأنه يصلح شرطا، والتحقيق عندى أنه لا يرفع المضارع الجوابى ولو كان الشرط ماضيا لا كما شهره ابن مالك. ومعنى انتقام الله منه أنه يشتد عليه التحريم من الله، ويعظم عقابه فى الآخرة مع لزوم الجزاء، فذنب العالم أعظم من ذنب غيره، والذنب مع تكرير الانذار أعظم هذا ما ظهر لى، ثم رأيته للجمهور وبه قال مالك وغيره من أصحابه، وعطاء، وابراهيم النخعى، وسعيد بن جبير، والحسن، وشريح، وعن ابن عباس، وداود الظاهرى أنه ان عاد لم يحكم عليه بالجزاء، وانما يقول له الحكمان اذهب ينتقم الله منك وهو رواية عن ابراهيم النخعى وشريح أخذه بالظاهر اذا لم يذكر فيه الكفارة، والصحيح الأول. وروى أن رجلا عاد فنزلت عليه نار فأحرقته وأكلته، روى عن ابن عباس عفا الله عن المتعمد أول مرة، وعليه الجزاء، وان اجترأ وعاد ثانيا فلا يحكم عليه، ويقال له ينتقم الله منك، وروى عنه لا جزاء عليه لأنه وعده بالانتقام منه، وعنه اذا قتل صيدا سئل هل قتل قبله آخر، فان قال نعم لم يحكم عليه، ويقال له اذهب فينتقم الله منك، وان قال لم أقتله قبله شيئا حكم عليه، فان عاد بعد ذلك لم يحكم عليه، ولكن يملأ صدره وظهره ضربا، وهذه الآثار عنه تصرح أن اعتبار المرة الأولى بالعفو والجزاء، والثانية بالانتقام، وعدم الحكم بالجزاء مستمر الى يوم القيامة. وقيل الذى عندى أن الناس بعد نزول هذه الآية داخلون فى حكم الانتقام، وأن عليهم الجزاء، وأن الجهل بالتحريم وقد مر لك تفسيرى عاد بمعنى وقع فى الصيد، ولو لم يتقدم له اصطياد، وأما آثار ابن عباس فيخرج أن العود هو على حقيقته من الصيد مرة ثانية بعد المرة الأولى، وزعم أن الانتقام لزوم الكفارة. { والله عزيز } لا يغلبه أحد عما أراد. { ذو انتقام } ممن عصاه بالصيد عمدا حال الاحرام ومن سائر من عصى الا من تاب.

[5.96]

{ أحل لكم } يا أيها المجرمون بحجة أو عمرة أو بهما. { صيد البحر } الصيد هنا ليس بالمعنى المصدرى، بل بمعنى الحيوان الذى يصاد من البحر كما أضافه للبحر، أى أحل لكم أكل صيد البحر، والبحر ما يغرق ويلتحق به كل ماء ولو قل، فان ما يعيش فى الماء ولا يعيش فى غيره حلال سواء قل الماء الذى خلق فيه أو كثر، وكل حيوان البحر والماء حلال ولو بصورة الانسان أو صورة الخنزير أو الكلب ونحو ذلك مما يحرم، أو يكره لحديث

" هو الطهور ماؤه والحل ميتته "

وزعم أبو حنيفة أنه لا يحل منه الا السمك، وقيل يحل السمك وما يؤكل نظيره فى البر، ويكره ما يكره نظيره فى البر، ويحرم ما يحرم نظيره فى البر، وقال أحمد يؤكل كل ما فى البحر الا الضفدع والتمساح لأن التمساح يفترس ويأكل الناس. { وطعامه } أى طعام البحر وهو ما يقذفه البحر للبر ميتا مما يعيش فيه وحده، وما طفا منه على الماء ميتا، وما جزر عنه البحر، وما انشقت الأرض عنه الماء، وما تحت الماء ميتا، والضابط ما مات منه بلا اصيطاد، وما روى عن أبى بكر وعمر وابن عمر وأبى أيوب وقتادة أن طعامه ما رقى به الى الساحل تمثيل لا قيد، وخصوه بالذكر، لأنه المذكور فى حديث وجد الصحابة فى غزوة سمكا كالضرب بساحل البحر اقبلوا منه، ولما وردوا المدينة أخبروه صلى الله عليه وسلم فأباحه وأعطوه منه وأكل وهو حديث مشهور فى صحيح الربيع بن حبيب وغيره. وقال أبو حنيفة لا يحل ما مات منه بلا سبب فما كان بسبب كالوقوع على حجر، وزوال الماء عنه حل، وقيل لا يحل الا ما صيد وهو قول سعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، والسدى ورواية عن ابن عباس، والصحيح عنه ما سبق. وعلى المنع فصيد البحر طرى السمك، وطعامه مالحه، وقيل صيد البحر مصدر، وطعامه بمعنى أكله وهاءه عائدة على المضاف المحذوف، أى أحل لكم صيد حيوان البحر وأكله، أو على الصيد بمعنى المصيد على طريق الاستخدام، ويجوز ابقاؤه على غير المصدرية كما مر، أى أحل لكم حيوان البحر وأكله، فيكون ذكره تمهيدا لذكر أكله بعد، والمراد أحل أكله أو قدمه تعميما أى أحل لكم حيوان البحر على كل جهة لا تمنعون منه فيعم صيده وبيعه، والتلبس به مع بقاء الطهارة لا ينجس دمه، وهكذا وذكر بعضهم أحاديث محرم الطافى، واختلفوا فى الجراد فقيل من البحر فيحل أكله للمحرم، وقيل هو نثر الحوت وهو من الحديث، والجمهور على المنع وهو الصحيح وفى الحديث عنه صلى الله عليه وسلم

" ذبح الله لكم جميع ما فى البحر فما فى البحر حلال وجد حيا أو ميتا "

وقرىء وطعمه. { متاعا لكم } اسم مصدر منصوب على التعليل، وناصبه أحل أى أحل الله لكم صيد البحر وأنتم حرم تمتيعا لكم، واللام للتقوية أو متعلقة بمحذوف نعت لمتاعا، ويجوز أن يكون متاعا بمعنى تمتعا اسم مصدر مفعولا مطلقا أى تتمتعون به تمتعا ولكم نعت. { وللسيارة } الذين يسيرون منكم فى الأرض مسافرين يتزودونه قديدا، والقديد اللحم الذى يقطع للادخار قطعا صغارا أو كبارا، فاللحم الذى نقطعه فى مزاب على عرفنا ونخصه باسم اللحمات هو من جملة ما يسمى قديدا، من القد بمعنى القطع، وقد تزود موسى عليه السلام الحوت فى مسيره الى الخضر. { وحرم عليكم صيد البر } حيوان البر المتوحش، أو اصطياد حيوان البر أعنى أن الصيد بمعنى ما يصاد أو بمعنى المصدر، فعلى الأول يقدر مضاف أولا أى حرم عليه اصطياد صيد البر، وعلى الثانى يقدر فعل أى وحرم عليكم صيد حيوان البر، ويجوز أن تجعل الاضافة ظرفية بمعنى فى أى الصيد فى البر وكذا صيد البحر. { ما دمتم حرما } محرمين بحج أو عمرة أو بهما، ولا يصح أن يجعل حرما جمع محرم بمعنى داخل الحرم، اذ لا يحل صيد الحرم لمن خرج منه، مثل أن يصاد صيد فى الحرم فلا يأكله من فى الحرم ولا من فى الحل، ثم ان قلنا الصيد بمعنى ما يصاد فلا يحل للمحرم أن يأكل ما صاد محرم آخر، ولا ما صاد محل لنفسه أو له أو لغيرهما بأمره أو بغير أمره، ولا ما صادت جارحته بأمره أو بدون أمره مات أو حيى، وهو مذهبنا. وان قلنا الصيد مصدر حل للمحرم ما صاد محل بلا أمره ولا قصد فى صيده له أو صاده محل لغيره، روى جابر بن عبد الله عن النبى صلى الله عليه وسلم

" لحم الصيد حلال لكم ما لم تصطادوه أو يصد لكم "

وأما ما صادوه محرم فلا يحل له، ولا لمحرم آخر ولا لمحل ولو لم يصده، لما روى أن عمر رضى الله عنه لا يرى بأسا للمحرم أن يأكل ما صاده حلال لنفسه، أو لحلال مثله، وروى هذا أيضا عن عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وصححوه وهو قول مالك والشافعى وأحمد، وقيل ان النبى صلى الله عليه وسلم أكل من حمار الوحش الذى صاده أبو قتادة وهو غير محرم، والنبى صلى الله عليه وسلم محرم. قال أبو هريرة استفتانى قوم بالبحرين على لحم صيد صاده حلال أيأكله محرم؟ فأفتيتهم بأكله، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فلما قدمت قال لى ما أفتيت به القوم؟ فأخبرته، فقال لو أفتيت بغير ذلك لأوجعتك ضربا، وقال انما يحرم عليك صيده أى أن يصيده، يعنى وان صيد لك فكأنك صدته أيضا، ولما نزل عثمان بن عفان بقديد أتى بالحجل فى الجفان فقال كلوا ولم يأكلوا، وقال لولا أنى أظن أنه صيد من أجلى أو أميت من أجلى لأكلته، واهدى أعرابى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيضات نعام وحمير وحش، فقال

" أطعمهم أهلك وانا قوم حرم ".

صفحة غير معروفة