873

" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تقتل نفس ظلما الا كان على ابن آدم الأول شطر من دمها لأنه أول من سن القتل "

أى بلا نقص، ويدل لذلك التأويل

" أن رجلا قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يعرض لى يريد نفسى ومالى؟ قال تناشده الله، قال ناشدته الله ولم ينته؟ قال استعن عليه السلطان، قال ليس يحضرنا سلطان، قال استعن عليه المسلمين، قال نحن بأرض فلاة ليس قربنا أحد، قال فجاهده دون مالك حتى تمنعه أو تكتب فى شهداء الآخرة فى الجنة ".

وانما ساغ لهابيل رضى الله عنه أن يريد أن يبوء قابيل بالذنب من حب المعصية لا يجوز، لأنه لم يرد الذنب من حيث أنه ذنب، بل أراده لقابيل من حيث أنه يعاقب به قابيل، وحب العقاب للجانى جائز كما أجاز بعض أصحابنا أن يدعى على المنافق بزيادة النفاق، وأجاز بعض ذلك، وأن يدعى عليه بالشرك، وليس ذلك حبا للمعصية، بل ازديادا للعقاب، ومتابعة لكون المعصية تجر الأخرى كما هو عادة الله. ويحتمل أن تكون الارادة عبارة عن سبب الرجوع بالاثم، وذلك أن هابيل أراد أن لا يبسط يده الى قابيل، وعدم بسطه اياهما اليه سبب لوصول قابيل الى قتله، أى أريد ما هو سبب لرجوعك بالاثم، أو شبه اذعان قلبه الى قتل قابيل لعنه الله اياه بارادة أن يقتله هابيل لجامع عدم الدفع، ويجوز أن يكون المراد أنه ان كان القتل واقعا بيننا ولا بد، فانى أريد أن يكون منك لا منى، والمراد بالذات الا أن يكون منى مع قطع النصر أن يكون منك، لكن لما فرضه محصورا بينهما كان اذا لم يكن منه كان من قابيل فقال { أن تبوء }.

ويجوز أن يكون المعنى فى قوله { بإثمى وإثمك } أنى لو قتلتك لكان لى اثم، فأردت أن يكون اثما لك هذا الذى لو فعلته لكان اثما لى، وذلك بأن تباشره أنت منى فتبقى الارادة، فيجاب فيها بأحد الأوجه المارة. قال صلى الله عليه وسلم

" المستبان ما قالا فعلى البادى ما لم يعتد المظلوم "

المستبان بتشديد الباء وتخفيف النون، وهى نون التثنية، وهو مفتعلان من السبب بمعنى متفاعلين، كل يسب الآخر، وما ظرفية مصدرية، يعنى أن البادى هو الظالم، لأن للآخر أن يقول مثل ما قيل له اذا قيل له بباطل ما لم يجاوز الحد، بأن يزيد على ما قيل له، أو اقتصر على ما لا يجوز له، مثل أن يقول لك يا سارق، وتقول له يا زانى، أو يا مشرك، وليس بزان أو مشرك فالسباب حامل لاثم سبه واثم مجازيه على السب بمثل ذلك السب، فان الدخول فى السب بالمجازات ذنب فى الأصل حط عن المجازى به لمبتدئه، واقع فى الجملة ذنوب المبتدى اذ كان سببا له، فكذلك لو بسط هابيل يديه للقتل بسبب بسط قابيل لكان لقابيل الذنبان أحدهما بالمباشرة، والآخر بالتسبب للجزاء. { فتكون من أصحاب النار وذلك جزآء الظالمين } ذلك كله من كلام هابيل، وقيل قوله { وذلك جزآء الظالمين } من كلام الله تعالى، أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاشارة الى الكون من أصحاب النار.

[5.30]

{ فطوعت له نفسه قتل أخيه } أى وسعت له نفسه قتل أخيه، من طاع له المرتع أى اتسع، فعدى فى الآية بالتشديد يقال طالوا له أى انقادوا له، وطوعهم الله له. لوحت الآية أن قتل النفس عمدا بغير حق أمر قبيح صعب عقلا وشرعا، ولا سيما أن يكون المقتول أخا للقاتل، ولكن نفس قابيل زينت له ذلك الأمر القبيح، وقرا الحسن فطاوعت على أنه من باب المفاعلة بمعنى التفعيل، بأن عداه بألف أو على تشبيه حاله بمن يدعو نفسه الى شىء فتأبى، ثم غلبها فانقادت له فى قتل أخيه، فنصب فى هذا الوجه الأخير فقط على نزع الخافض، أو تضمين معنى أعطته قتل ولام له لمعنى وسعت له، أو انقادت له فى قتله أو زيدت تقوية أى أطاعته فى قتل أو أعطته قتل. { فقتله } قال ابن عباس قتله فى جبل ثور، قال بعضهم عند عقبة حراء، وقال جعفر الصادق فى البصرة فى موضع الجامع الأعظم، قال السدى لما قصد قابيل قتل هابيل راغ هابيل فى رءوس الجبال، ثم أتاه يوما من الأيام وهو نائم فرفع صخرة، فشدج بها رأسه فمات. وقال ابن جريج لم يدر كيف يقتله، فتمثل له ابليس وأخذ طائرا فوضع رأسه على حجر، ثم شدجه بحجر آخر وهو يقظان صابر مستسلم، وعمر هابيل رضى الله عنه عشرون سنة. { فأصبح من الخاسرين } دينا ودنيا، أما دينا فلأن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا، وأما دنيا فلأنه أسود وجهه وصار مطرودا مبعدا عن أبيه وأمه بغيضا لهما، ويلعن الى يوم القيامة، وصار بلا أخ، ولما رجع آدم من مكة قال لقابيل أين هابيل؟ فقال ما كنت عليه وكيلا، فقال بل قتلته ولذك اسود جسدك. وروى أنه لما قتله لم يدر ما يفعل به، فجعله فى جراب وذلك أنه كان أول ميت من بنى آدم فيما قال بعض، فقيل حمله على ظهره وهو فى جراب أربعين يوما مخافة أن تأكله السباع، لأنها قصدته اذ تركه فى الأرض، وبعد حمله عكفت عليه الطير ترقب أن يرميه فتأكله، وقيل حمله سنة وينسب هذا لابن عباس، وقيل أكثر من سنة وأروح وأنتن، فبعث الله غرابين فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر، وقابيل لعنه الله ينظر، فحفر له بمنقاره ورجليه حفرة، ثم ألقاه فيها وواراه بالتراب ففعل قابيل بهابيل ذلك كما قال الله جل وعلا { فبعث الله غرابا }

[5.31]

صفحة غير معروفة