869

[5.26]

{ قال فإنها } أى الأرض المقدسة. { محرمة عليهم } ممنوعة عنهم، لا يدخلونها ولا يسكنونها غير عبدى يوشع وعبدى كالب. { أربعين سنة } أربعين ظرف زمان متعلق بمحرمة، وبعد الأربعين يدخلها من حيى منهم ممن ولدوا فى أرض التيه، وممن دخل التيه دون عشرين سنة من عمره، وباقيهم أميتهم فى التيه، وقيل حيى بعض الباقى فدخلوها وهو الظاهر المتبادر أنها لهم بعد الأربعين، وقيل لم يدخلها أحد ممن قال انا لن ندخلها، بل ما توفى التيه بعد قتل الجبارين أولادهم، فقيل هم أربعين سنة يرحلون عند الصبح الى مصر، فيمسوا فى موضع رحلوا منه، وقيل لما أيسو تركوا الرحيل، وذلك نقمة عليهم، ونعمة وراحة على موسى وهارون ويوشع وكالب. وقيل ان الله حرمها عليهم تعبدا لا منعا، وهذا بعيد لأنه لو كان ذلك لعصوا وخرجوا، وأيضا لفظ يتيهون يضعف هذا، وقيل أربعين متعلق بيتيهون بعده، فيكون التحريم مطلقا غير مقيد بمدة على هذا، فهى محرمة أبدا عليهم فى هذا القول الى الموت، فماتوا كلهم فى التيه، فلم يدخلها الا من ولد فى التيه أو دخل التيه غير بالغ الحلم، والأصل تعلق أربعين بمحرمة، لأن فيه عدم التقديم، واذا علق بمحرمة كان التيه مطلقا فيصدق بأنهم تاهوا حتى أيسوا من اهتداء الطريق الى مصر فتركوا الرحيل، والأظهر أن يعلق بأحدهما فبقدر مثله للآخر. روى أنهم دخلوها بعد الأربعين، وهو يقوى تعليقه بمحرمة، ومن بقى منهم فتحوها مع موسى فتح أريحا، وأقام فيها ثم مات، وقيل قبض فى التيه وأوصى يوشع بقتال الجبارين، وصحح الأول لاشتهار أن موسى قتل عوجا، فهو الذى قاتل الجبارين، وجعل يوشع على مقدمته، واختلفوا هل كان موسى يخرج من التيه وهارون حيث شاءا؟ أو أما أن يقال لم يدخلاه لقوله

فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين

فلا يصح لأنه بلا شك يضرب لهم الحجر للماء. { يتيهون فى الأرض } يمشون فيها على طريق متحيرين لا يدرون الطريق، قيل أربعين سنة فى ستة فراسخ، يسيرون من الصباح الى المساء، فاذا هم فى موضع الرحلة، وهم ستمائة ألف فارس، ولكل مائة ألف فرسخ مسيرة نصف يوم، وقيل ستة فراسخ عرضا، واثنا عشر طولا، وقيل تسعة عرضا وثلاثون طولا، ولم يصب من ذلك تعب ولا مشقة موسى وهارون ويوشع وكالب، بل راحة ولهم زيادة درجات كما أعان ابراهيم على النار، وجعلها بردا وسلاما، وزاد له درجات. وفى بعض القول مات فيه هارون، ثم بعده موسى بسنة، وقيل ماتا خارجا، وقيل مات موسى ودخل يوشع بعده أريحا بثلاثة أشهر، أما اذا قيل ان التحريم تعبد، وأنهم يعرفون الطريق فلا اشكال فى حصر المفازة لهم وهو ضعيف كما مر، الا أن يقال انهم بعدما يعصون ويعاندون ينقادون، وأما اذا قلنا انهم لا يجدون الطريق فذلك خرق عادة من الله، ولولا ذلك لاتبعوا كوكبا أو الشمس والقمر، فيتصلون بالطريق أو بقرية، ويخرجون، ويمكن أن الله عز وجل ستر عنهم الشمس والقمر والنجوم كما قال الله تعالى

وظللنا عليهم الغمام

وكما مر أن عمودا من نور يضىء لهم فى الليل. { فلا تأس } لا تحزن. { على القوم الفاسقين } لخروجهم عن أمر الله لما دعى عليهم فعوقبوا بطول التيه ندم فحزن، فأوحى الله اليه { لا تأس على القوم الفاسقين } فانهم أحق بالتيه لفسقهم، وأجاز الزجاج أن يكون هذا خطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بأن لا يحزن على يهود زمانه فى بلاده، فانهم لم يزالوا أهل عناد، والواضح أن الخطاب لموسى عليه السلام، قيل بعث الله يوشع بعد الأربعين المذكورة فى الآية نبيا، فأخبر بنى اسرائيل بأنه نبى، وأن الله تعالى أمره بقتل الجبارين فصدقوه وتابعوه ومعه تابوت الميثاق، فحصر أريحا ستة أشهر، ولما كان الشتاء نفخوا فى القرون وضجوا ضجة واحدة، فسقط السور فدخلوها، وقاتلوا الجبابرة فهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم، تجتمع العصابة على عنق الرجل فيضربونه لا يقطعونه، وكان القتل يوم الجمعة، فبقيت منه بقية، وكادت الشمس تغرب وتدخل ليلة السبت، فخشى يوشع أن يفوتوه أو يعجزوه فقال اللهم اردد على الشمس، أو قال للشمس انك فى طاعة الله، فأذن الله للشمس أن تقف، وللقمر أن يقيم حتى ينتقم الله من أعداء الله قبل دخول السبت، فردت عليه الشمس، وزيد له فى النهار ساعة حتى قتلهم جميعا. قال فى عرايس القرآن أخبرنا أبو بكر محمد بن صخر، حدثنا محمد بن عبيد الكندى، حدثنا عبد الرحمن بن شريك، وحدثنا أبى عن عروة قال

" دخلت على فاطمة بنت على فرأيت فى عنقها خرزة ورأيت في يدها مسكتين مختلطتين وهى عجوز كبيرة، فقلت لها ما هذا؟ فقالت انه ليس للمرأة ان تتشبه بالرجال، ثم حدثتنى أن أسماء بنت عميس حدثتها أن الشمس غابت أو كادت تغيب، ثم أن نبى الله سرى عنه أى خفف عنه، وذلك فى مرض موته صلى الله عليه وسلم فقال أصليت يا على؟ فقال لا. فقال النبى صلى الله عليه وسلم " اللهم رد على على الشمس " فرجعت الشمس حتى بلغت نصف المسجد "

، وكذلك وقفت الشمس يوم الخندق، وقد شغلوا عن صلاة العصر حتى غابت، فردها الله حتى صلى العصر، ووقفت له صبيحة ليلة الاسراء حين انتظر العير اذا خبر بوصولها حين شروق الشمس فقيل فى ذلك كله. وفى قصة يوشع ردت الى ورائها، وقيل وقفت ولم تسر، وقيل بطئت حركتها ومر التصريح ببعض ذلك فى بعض الروايات، وبعد ما فرغ يوشع من قتال الجبارين اجتمعت عليه خمسة ملوك فهزمهم بنو اسرائيل حتى أهبطوهم الى مدينة جوران، ورماهم الله بأحجار البرد، فكان من قتلهم البرد أكثر ممن قتله بنو اسرائيل بالسيف، وهرب الخمسة الملوك، واجتمعوا فى غار فأمر بهم يوشع فأخرجوا فقتلهم وصلبهم وطرحهم فى ذلك الغار، وتتبع سائر ملوك الشام واحدا بعد واحد حتى غلب على جميع أرض الشام، وصارت الشام كلها لبنى اسرائيل، وفرق عماله فى نواحيها.

ثم جمع الغنائم فلم تنزل النار، فأوحى الله الى يوشع أن فيها غلولا فدهنهم كالب بعود فمن لصقت يده بيدك ففيه غلول، فالتصقت يد رجل بيده فقال هات ما عندك فأتاه برأس من ذهب مكلل بالياقوت قد غله، فجعله يوشع فى القربان مع الرجل، فجعل كل من غل شيئا يأتى به، فأكلت النار جميع ذلك مع الرجل الذى أغل الرأس. قال أبو هريرة

" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا نبى من الأنبياء فقال لا يتبعنى رجل كان قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبنى بها، ولا من بنى بناء لم يرفع سقفه، ولا من اشترى غنما أو خلفات ينتظر أولادها، فغزا فدنى الى القرية حين صلوا العصر قريبا من ذلك، فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها على ساعة فحبست له حتى فتح الله عليه، وقال قال الله فيهم غلول وأمره أن يبايعوه، فقال ليبايعنى من كل قبيلة منكم رجل، فالتصقت يد رجل بيده، فقال له فيكم غلول، فاذهب فابحث عنه فى قومك، فمضى فرجع اليه برأس بقرة ذهبا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لم تحل الغنائم لأحد قبلنا "

صفحة غير معروفة