842

يا أيها الذين آمنوا انما الخمر والميسر

الآية قال عن غيره، وفى معنى الأزلام الزجر بالطير، وأخذ الفأل فى الكتب ونحوه مما يصنعه الناس. قال أبو الدرداء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

" من تكهن أو استقسم بالأزلام أو تطير طيرة ترده عن سفره لم ينظر الى الدرجات العلا يوم القيامة "

يعنى يئس ولا ينتظرها، وجازت السهام بالقسمة بدون ذكر ما يشبه ذلك. { ذلكم } أى ما ذكر من الاستقسام، وأكل تلك المحرمات المعلوم من المقام. { فسق } خروج عن طاعة الله ودينه، وعن الحلال الى الحرام، وهذا هو الصحيح لعمومه، وقيل الاشارة الى الاستقسام وحده، ولو كان آكل تلك المحرمات أيضا فسقا لغير هذه الآية من القرآن والسنة، ومن أكل ذلك أو استقسم بلا تحليل ففسق نفاق، ومن فعل ذلك بتحليل ففسقه شرك، وأما نفس قولهم أمرنى ربى ونهانى ربى فكذب على الله فهو فاسق نفاقا.

وأيضا أكل مال الناس بالباطل فسق نفاق ومن زعم أنه يعلم الغيب أشرك، ومن لم يرد بقوله أمرنى ربى أو نهانى الا ما يشبه الغال ولم يرد حقيقة أن الله أمره أو نهاه ففسقه نفاق، اذ فعل المنهى عنه ولم يستحله، وان أراد بقوله ربى صنم أشرك، وكانوا يجيلونها عند أصنامهم، وليست الاستخارة الشرعية فى شىء من ذلك، بل طلب التوفيق من الله الى الأصلح، أو طلب رؤيا تكون له علامة، والرؤيا الصحيحة حق. وأما التطلع بعلم الفلك الى أمر غائب فمن كان له ذلك ولا يقطع به بلا بطن بأمارة فلا بأس به، ومن قطع أشرك، ومعنى قول بعض أصحابنا وأن أول ما يذبح غدا بقرة، وأنه فى بطنها جنين صفته كذا أنه قد ظهر الى أمارة ذلك، والله أعلم. { اليوم } أى الزمان الحاضر، وما يقصد به من الأزمنة الآتية والماضية لا نفس اليوم الذى نزلت فيه الآية، وقيل هو المراد فقيل نزلت يوم فتح مكة، وقيل يوم عرفة فى حجة الوداع بعد العصر وهو يوم الجمعة، وهو متعلق بيئس بعده وقدم تعظيما له. { يئس الذين كفروا من دينكم } أى من ابطال دينكم بقهرهم لكم حتى ترجعوا الى دينهم، أو قتلهم اياكم، أو قلة من يتبعه وكثرة من يخالفه، وهم مشركو العرب، وقيل جميع المشركين. { فلا تخشوهم } لا تداروهم جلبا ولهم خوفا من بطشهم، فانه لم يتق لهم شدة يظهرون بها عليكم، فالخشية كناية عن لازمها، أو يقدر مضاف، أى لا تخشوا ظهورهم فانه غير واقع. { واخشون } خافونى خوف تعظيم بتحليل الحلال، وتحريم الحرام، والاتباع بالأمر والنهى. { اليوم أكملت لكم دينكم } هذا اليوم المذكور قبله بمعنى الزمان، أو عين حقيق اليوم متعلق بأكملت، وقد للتعظيم، ومعنى اكمال الدين النصر على المشركين والمنافقين، وابطال الأديان كلها باظهار ملة الاسلام عليها، أو معناه اتمام الأحكام الشرعية وما معها مما يقررها، كالمواعظ والقصص، أو معناه ذلك كله، أو معناه اتمام الأحكام، كما قيل انه لم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ولا شىء من الفرائض والحدود، كما لابن عباس، أو معناه أنه لم يحج مشرك معكم، وأخليت الموسم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين، كما لسعيد بن جبير وقتادة. أو معناه أنهم آمنوا بكل نبى وكل كتاب، ولم يكن هذا لغير هذه الأمة، أو اليوم أكملت لكم دينكم زمان النبى صلى الله عليه وسلم كله كما للحسن، ولا يخفى أن دين المسلمين كامل فى كل وقت فبأول حكم نزل كان الدين كاملا، ولا يتصف بالنقص، ولو كان سينزل بعده أحكام كثيرة، اذ لا واجب ولا حرام الا ما كان فيه، فكماله بما فيه، واذا نزل فى غيره حكم آخر زائد أو ناسخ فكمال الدين فى هذا الوقت الآخر بما نزل فيه الى أن لا يبقى ما ينزل فيحتم على تمامه الى القيامة.

وأما أحكام المجتهدين فمن القرآن والسنة، وقوله تعالى { اليوم أكملت لكم دينكم } شامل للسنة، قيل نزلت هذه الآية يوم الجمعة بعد العصر يوم عرفة، والنبى صلى الله عليه وسلم واقف بعرفات على ناقته العضباء، فكان عضد الناقة يندق، وبركت لثقل الوحى وذلك فى حجة الوداع سنة عشر من الهجرة. وقرأ ابن عباس رضى الله عنهما { اليوم أكملت لكم دينكم } الآية وعنده يهودى فقال لو نزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يوم نزولها عيدا، فقال ابن عباس فانها نزلت فى يوم عيدين، فى يوم جمعة و يوم عرفات، قال ابن عباس كان فى ذلك اليوم خمسة أعياد يوم جمعة، ويوم عرفة، وعيد لليهود، وعيد للنصارى، وعيد للمجوس، ولم تجتمع أعياد أهل الملل فى يوم واحد قبله، ولن تجتمع بعده. وجاء يهودى الى عمر بن الخطاب فقال يا أمير المؤمنين آية فى كتابكم تقرءونها لو نزلت علينا معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال فأى آية؟ قال { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا } قال عمر انى لأعلم اليوم الذى نزلت فيه، والمكان الذى نزلت فيه، ونزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعرفات يوم الجمعة. وروى

" أنها لما نزلت بكى، فقال النبى صلى الله عليه وسلم ما يبكيك يا عمر؟ فقال أبكانى أنا كنا فى زيادة من ديننا، فأما اذ كمل فانه لم يكمل شىء الا نقص، قال صدقت "

فكانت هذه الآية نعى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عاش بعدها احدى وثمانين يوما، ومات صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لليلتين مضتا من ربيع الأول، وقيل لاثنى عشر ليلة، وهو الأصح سنة احدى عشرة من الهجرة. ونزلت

واتقوا يوما ترجعون فيه الى الله

الآية فى تلك الحجة بمنى بعد يوم النحر، ونزل فى تلك الحجة

صفحة غير معروفة