{ وأخذهم الربا وقد نهوا عنه } نهاهم الله عن الربا ولم يجتنبوه، كانوا يعطون الدرهم، ويأخذون الدرهمين أو أكثر ونحو ذلك، حرم عليهم ذلك يدا بيد، ونسيئة، وقيل نسيئة، وكما حرم أخذ الربا يحرم عقده، والآية أيضا تدل على تحريم عقده، لأنه وسيلة ومفتاح لأخذه، اذ لا أخذ له الا بعقده، ولكن شنع بالذى هو أعظم، ويجوز أن يكون أخذهم الربا بمعنى عقده تسمية للسبب باسم المسبب، فيفهم تحريم أخذه الحقيقى عليهم بالأولى. { وأكلهم أموال الناس بالباطل } بالوجه الباطل المخالف للشرع، أخذ المال على تحريف كلام الله لفظا أو تفسيرا، وعلى الحكم بغير ما أنزل الله، وتحريم الطيبات من عقاب الدنيا، وأما عذاب الآخرة فذكره الله جل وعلا بقوله { وأعتدنا للكافرين منهم عذبا أليما } دون من تاب وآمن.
[4.162]
{ لكن الراسخون } مبتدأ خبره جملة يؤمنون بعده. { فى العلم منهم } كعبد الله بن سلام وأصحابه، دلت الآية أن الرسوخ فى العلم انما هو العمل به، والثبوت عليه، لا كثرة حفظه، وجمع مسائله، لأن فى اليهود من هو مثل عبد الله بن سلام أو أعلم منه، لكنه كفر فعدم عمله بما علم زلق عن العلم، وعدم ثبوت ورسوخ فيه. { والمؤمنون } من أهل الكتاب، وهم الذين لا يعدون فى العلماء لكن معهم من العلم ما يؤدون به الفرض، ويتركون المحرم، وقيل هم الراسخون أى متصفون بالرسوخ والايمان، وقيل المراد المؤمنون من المهاجرين والأنصار وغيرهم ممن آمن من العجم، كسلمان وبلال، وعلى كل حال المراد المؤمنون بالله ورسوله تحقيقا، فانهم يؤمنون بالنبى محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن يوصلهم تحقق ايمانهم الى الايمان بهما، كما يوصل الراسخين اليه رسوخهم، وتحقيق العلم كما قال الله جل وعلا { يؤمنون بما أنزل إليك } من القرآن وسائر الوحى. { وما أنزل من قبلك } من كتب الله وسائر وحيه، والايمان بكتاب نبى ما ايمان بذلك النبى، والايمان بنبى ما ايمان بما أنزل اليه. { والمقيمين الصلاة } أى واذكر يا محمد فى هذا المقام المؤمنين المقيمين الصلاة، أو لا تنسى المقيمين أو أعنى المقيمين أيضا، أو أمدح المقيمين، أو أذكر المقيمين، وحكمة المجىء به مخالفا لما قبله الاشعار بفضلهم، ومثل هذا عندى يجوز فى الوسط والآخر لا فى الآخر فقط، كما قيل، لأن هذا عطف، وليس من قطع النعت فضلا عن أن يقال لا اتباع بعد قطع، فهذا النصب جائز، سواء جعلنا يؤمنون خبر الراسخون، وأولئك سنؤتيهم خبر المؤتون، أو يؤمنون حالا من ضمير المؤمنون على بقاء الوصفية، مقيدة بما أنزل اليك لا مؤكدة، وجعلنا أولئك سنؤتيهم خبر الراسخون، وما عطف عليه. ومن قال لا يجوز ذلك ولو فى العطف الا فى الآخر قال يؤمنون خبر الراسخون، أو جعل المقيمين معطوفا على ما أنزل اليك، فيكون المقيمين هم الأنبياء، أى يؤمنون بما أنزل اليك وما أنزل من قبلك، وبالأنبياء المقيمين، فيكون تصريحا بالايمان بهم بعد أن لوح الى الايمان بهم بدل الايمان بما أنزل عليهم تأكيدا، أو يكونوا المقيمين الملائكة، لأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وقيل المقيمين المؤمنون من هذه الأمة، معطوف على الكاف، وفيه أنه لو كان كذلك لترجح إعادة الخافض ولقيل، وقيل المقيمين. وفى مصحف عبد الله بن مسعود والمقيمون بالواو، وهى قراءة مالك بن دينار رضى الله عنه، والجحدرى، وعيسى الثقفى، وهو معطوف على الراسخون، أوعلى ضمير يؤمنون، وخبر المرفوعات كلها أولئك سنؤتيهم، ويؤمنون حال على ما مر، أو يؤمنون خبر، والمقيمون مبتدأ خبره أولئك الى آخره، يجوز عطف المرفوعات بعد يؤمنون على واوه، أو على الراسخون، والخبر يؤمنون، فتكون واو يؤمنون عائدة على ما بعدها وقبلها اذا عطفهن على الراسخون، ويكون أولئك مستأنفا اذا لم نجعله خبرا، فأنت خبير بأوجه نصب المقيمين وأوجه رفعه عطفناهن.
وليس كما قيل أنه روى عن عائشة، وابان بن عثمان أن النصب غلط من الكتاب، ولا كما قيل عن عثمان بن عفان أن فى المصحف من الكاتب لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، وأنه قيد له، أفلا تغيره؟ فقال دعوه لأنه لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، فان سبب كتابة المصاحف فى زمان عثمان وأبى بكر أن لا يختلف الناس، فكيف يثبت فيها ما غلط فيه الكاتب اعتمادا على اصلاح العرب باللسان، فان اللسان غير المصحف، وكيف تترك الصحابة ثلمة فى المصحف ليسدها من بعدهم. والرواية عن عثمان فى ذلك منقطعة، كيف لا يذب الصحابة عنها وهم يذبون عن أدنى شىء فى الدين، وأما أن يقال ذلك لحن من كلام الله، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم لا من الكاتب فاشراك، والقرآن متواتر. قال السيوطى عن هشام بن عروة عن أبيه سألت عائشة عن لحن القرآن قوله تعالى
ان هذان لساحران
وقوله تعالى { والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة } وقوله تعالى
ان الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون
فقاله يا ابن أخى هذا عمد الكتاب اخطاؤه فى الكتاب، هذا اسناد صحيح على شرط الشيخين، وعن عكرمة كما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجد فيها حروفا من اللحن فقال لا تغيروها فان العرب ستغيرها، أو قال ستعربها بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيف، والمملى من هذيل لم توجد فيه هذه الأحرف. وكان سعيد بن جبير يقرأ والمقيمين الصلاة، ويقول هو لحن من الكتاب، وذلك مشكل، كيف يلحن الصحابة، ولا سيما القرآن الذى ضبطوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكيف يجتمعون عليه؟ وكيف لا يرجعون عنه؟ وكيف ينهى عثمان عن تغييره؟ وكيف تستمر القراءة عليه؟ وأجيب بأن ذلك لم يصح عن عثمان، ففى سنده ضعف واضطراب وانقطاع وعثمان قدوة كيف يترك لحنا لا يغيره، وقد كتبوا مصاحف لا مصحفا، فكيف يعمها اللحن وان كان فى بعضها ذلك دون بعض فلا أحد يقول فى بعضها لحن، وان صح أنه قال ذلك لحن، فلعله أراد الانحراف عن الظاهر، وان كان ذلك مطلقا لا بخصوص هؤلاء الآيات، فلعله أراد مواضع الحذف كالكتاب والصابرين، اذ حذف ألفهما والزيادة كلأذبحنه، ولا يمكن أن يترك اللحن فى الخط اعتمادا على اصلاحه فى اللسان، لأن النطق يؤخذ عن الكتاب، والكتاب ينبىء عن النطق، وقد أصلح عثمان ما ليس بلحن، فكيف يقر اللحن؟ وجد يتسن فأصلحه فى الخط بالحاق الهاء، ووجد فأمهل الكافرين فأصلحه فمهل بمحو الألف.
وروى أنه لما فرغوا من المصحف، أتى به الى عثمان فنظر فيه فقال أحسنتم وأجملتم أرى شيئا سنقيمه بألسنتنا ولا اشكال فى هذا، فان مثل هذا مثل الحذف الذى لم يقيد فى الخط والزيادة كذلك، فكانوا ينطقون بما حذف خطا، ويسقطون النطق ما زيد فى الخط، أو مثل التابوه بالهاء أصلحه بلغة قريش بالتابوت بالتاء، وأجيب عن قول عائشة أخطأوا بأنهم أخطأوا فى اختيار الأولى من الأحرف السبعة، وفيه أنه لا يصلح ذلك، وعن قول سعيد لحن من الكاتب أنه لغة كاتبه، وفيه أنه لا لغة بالياء فى النصب مع فتح نون الجمع وفيه لا يصلح ذلك. { والمؤتون الزكاة } أصله المؤتيون، نقلت ضمة الياء للتاء لثقلها عليها فحذفت للساكن بعدها. { والمؤمنون بالله واليوم الآخر } يوم البعث والجزاء قدم عليه الايمان بالأنبياء والكتب، وما يصدق الايمان والعمل بالشريعة، لأن المقصود بالآيات الزجر عن الشرك والنفاق. { أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما } اذ آمنوا وعملوا الصالحات، ولو لم يعملوا أو لم يؤمنوا لم يكن لهم أجر عظيم ولا خير عظيم، وقرأ حمزة سيؤتيهم بالياء المثناة التحتية والأجر العظيم نصيبهم فى الجنة.
[4.163]
صفحة غير معروفة