823

ان الذين يكفرون بالله ورسله

ويجوز أن تكون للاستغراق، ويكون كالحجة على عذاب اليهود والنصارى الذكورين بمعنى أنه اذا كان يعذب الكافرين كلهم فهم فى جملة الكافرين.

[4.152]

{ والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم } أى من رسله، بل آمنوا بجميعهم، والمراد المسلمون، ولا ترد الهاء لله ورسله، لأن لفظ أحد المعنى بعض من كل لا سمى به الله، وانما ساغ أن يقال بين أحد مع أنها لا تقع الا بين متعدد ، لأن لفظ أحد عام لوقوعه فى سياق النفى، كأنه قيل بين جملة من الرسل، وجملة أخرى، أو بين بعض الرسل وبعضهم الآخر. { أولئك سوف يؤتيهم أجورهم } الموعودة لهم، وأكد ايتاء الأجور بسوف، بمعنى أنه لا بد منه ولو تأخر، كذلك بقول الزمخشرى أن سوف والسين يؤكدان ما دخلا عليه من محبوب أو مكروه وجهه، فبما أن المضارع موضوع للاستقبال، كما وضع للحال، فاذا دخلت احداهما عليه أفادت توكيد مضمونه، وهو مشكل لأنه على قول بأنه موضوع للحال وللاستقبال فائدة التعيين للاستقبال، وقيل وضع للحال فقط، ولا يحمل للاستقبال الا لقرينة مثل السين، وسوف نعم قيل موضوع للاستقبال، ولا يكون للحال الا لدليل، وعلى هذا فدخولهما عليه للتوكيد، لكن قد لا نسلم أنهما يؤكدان المضمون، بل يؤكدان الاستقبال نعم كونهما مؤكدين للمضمون المستقبل أفيد. قال ابن هشام ليست أنها تفيد الوعد بحصول الفعل، فدخولها على ما يفيد الوعد أو الوعيد مقتض لتوكيده، وتثبيت معناه، وقرأ حفص عن عاصم، وقالون عن يعقوب يؤتيهم بالمثناة التحتية. { وكان الله غفورا رحيما } يغفر ذنوبهم، وينعم عليهم بتضعيف الحسنات، وفى ايتاء الأجر والغفران والرحمة للمؤمنين، ترغيب لليهود والنصارى، وروى أن كعب بن الأشرف، وفنحاص بن عازوراء وغيرهما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان كنت نبيا صادقا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى به موسى. فنزل قوله تعالى { يسألك أهل الكتاب أن تنزل }

[4.153]

{ يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السمآء } جملة، وقيل سألوه أن يأتى بكتاب محرر بخط سماوى ينزل مكتوبا على ألواح كما نزلت التوراة على موسى جملة مكتوبة من السماء فى ألواح، وقيل سألوه أن ينزل عليهم كتابا يعاينون نزوله حين ينزل، وقيل سألوه أن ينزل عليهم كتابا يجب عليكم الايمان به اليهم يذكر فيه أن محمدا صلى الله عليه وسلم يجب عليكم بالايمان به، وهذه فى أقوال تفسير الآية، وسواء لهم والقول الأخير لقتادة وابن جريج، زاد ابن جريج أنهم سألوه أن ينزل الله كتابا الى فلان والى فلان يأمر فيه بالايمان بك. { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك } تعليل لمحذوف، لا تبال بسؤالهم يا محمد تعنتا، لأنهم قد سألوا موسى ما هو أعظم من سؤالهم الذى سألوكه، فهم سفهاء أولاد سفهاء، راضون بسفه آبائهم وتعنتهم، وهم النقباء السبعون، وذلك التعنت عادتهم، ويجوز أن تكون الفاء فى جواب شرط محذوف، أى ان استكبرت سؤالهم فقد سألوا موسى أكبر من ذلك. { فقالوا أرنا الله جهرة } لا يخفى أن الجهرة للرؤية لا للاراءة، فنصبه برؤية محذوفة، أى أرنا الله نره جهرة فهو مفعول مطلق لهذا المحذوف يره رؤية جهرة بالاضافة، أى ظهور أو مؤول بعيانا فيكون مفعولا مطلقا بلا تقدير، لأن الرؤية معاينة، ويجوز أن يكون بمعنى معاينا بفتح الياء فيكون حالا من لفظ الجلالة، أو معانيين بكسرها، فيكون حالا من نا، وان جعلنا جهرة اسم مصدر أجهر المتعدى بمعنى أظهر نصب بأرنا على المفعولية المطلقة، أى أرنا الله اجهارا أى أظهره لنا اظهارا أو حالا من لفظ الجلالة، أى مظهرا بفتح الهاء وتقدم الكلام فيه. { فأخذتهم الصاعقة بظلمهم } اذ سألوا رؤية الله جل وعلا الموجبة لتشبيهه بالخلق، والصاعقة نار لطيفة من السماء، وقالت الأشعرية الصاعقة انما هى من أجل امتناعهم من الايمان بما وجب ايمانه الا بشرط الرؤية من أجل طلب الرؤية، وهو خلاف ظاهر الآية مع أن الرؤية توجب التحيز، والجهات والتركيب والحلول واللون وغير ذلك من صفات الخلق، ويدل لما قلته قوله تعالى

لا تدركه الأبصار

والأشعرية لما أفحموا قالوا بلا كيف، وحديث الرؤية ان صح فمعناه يزدادون يقينا بحضور ما وعد الله فى الآخرة، فلا تشكون فى وجود الله وكمال صدقه وقدرته، كما لا تشكون فى البدر. { ثم اتخذوا العجل } اتخذوه من الذهب والفضة والحلى، أى صاغوه منها ليعيدوه، أو اتخذوه إلها، وفاعلوا ذلك هم الباقون بعد مضى موسى الى الطور، ذكر الله بعض مساوىء اليهود، فيصرف كل الى فاعليه وذلك حكم على المجموع وتنسب الى اليهود الذين فى زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم لرضاهم عنهم، وفعل مثل ما يفعلون. { من بعد ما جآءتهم البينات } المعجزات كالعصى واليد والطوفان وفرق البحر ونحو ذلك، لا التوراة لأنها نزلت بعد ذلك. { فعفونا عن ذلك } المذكور من اتخاذ العجل، فلم نستأصل عباده، بل أمهلناهم ليتوبوا فلا ييأس من كفر بك يا محمد، فليتب الى أقبل توبته فاصبر يا محمد. { وآتينا موسى سلطانا مبينا } تسلطا ظاهرا عليهم، حين أمرهم أن يقتلوا أنفسهم توبة من اتخاذ العجل، أو التوراة فانها سلطان مبين أى حجة ظاهرة.

[4.154]

{ ورفعنا فوقهم الطور } الجبل ومن بيانه. { بميثاقهم } بسبب ميثاقهم، أعنى ليحصوا الميثاق، أعنى ليعطوا الميثاق، واعطاءه وتحصيله وقبوله هن بمعنى واحد، وذلك أن الله أنزل عليهم التوراة ليحكموا بها، والحكم بها شىء ألزمه الله اياهم، توثق به عليهم، فهو من الله عهد وميثاق اليهم. { وقلنا لهم } بعد انزال التوراة، ورجوع موسى اليهم من الميقات، وقيل عند الأمر بدخول باب القرية والقائل على الأول موسى، وعلى الثانى يوشع، وأسند الله القول الى نفسه، لأنه الموحى الآمر الخالق لقول من قال. { ادخلوا الباب } باب القرية. { سجدا } قيل لهم ذلك، والطور فوقهم عند الباب على القول الثانى، وسبق الكلام على ذلك فى البقرة. { وقلنا لهم لا تعدوا فى السبت } أى لا تعدوا فيه لا تجاوزوا الحد فيه بايقاع الاصطياد فيه، فان الله حرم عليهم الصيد فيه على لسان موسى، فهذا القول الذى قال لهم الله هو على لسان موسى، ولكن الاعتداء والمسخ كان على عهد داود عليه السلام، وقيل هذا القول على لسان داود، ولعله تكرر وكان على لسانهما. وقيل المراد النهى عن العمل يوم السبت على لسانهما أو لسان موسى، وأصل تعدوا تعتدوا، أبدلت التاء دالا وأدغمت الدال فى الدال بعد نقل فتحتها الى العين، وتلك قراءة ورش عن نافع، وقرأ عنه قالون باسكان العين وتشديد الدال، وفيه التقاء الساكنين أن تمحض السكون وهو لا يجوز على غير حدهما، ولو قيل ما قيل وان لم يتمحض، بل أخفيت فتحة العين اخفاء فقط فهو قريب من التقائهما لضعف الفتحة، فلا يحسن تخفيفها الى السكون، ولا سيما ما بعدها سكون، والنص عن قالون الاسكان، وقرأ الجمهور باسكان العين وتخفيف الدال من عدا يعدو وهو مجاوزة الحد أيضا، حذفت الواو الأصلية لسكونها قبل واو الجمع الساكنة بعد حذف ضمتها، وقرىء لا تعتدوا بابقاء التاء. { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } أن يأتمروا بما أمرناهم به، وينتهوا عما نهيناهم عنه، فلا يعتدوا فى السبت وقالوا سمعنا وأطعنا، ثم نقضوا الميثاق.

صفحة غير معروفة