761

وروى

" أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قليل الصبر عنه صلى الله عليه وسلم، فأتاه يوما وقد تغير وجهه، ونحل جسمه، وعرف الحزن فى وجهه، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله فقال يا رسول الله ما بى من وجع، غير أنى اذا لم أرك اشتقت اليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، وذكرت الآخرة فعرفت أن لا أراك هناك ان دخلت الجنة، لأنى عرفت أنك ترفع من النبيين، وان دخلت الجنة وكنت فى منزل هو دون منزلك، وان لم أدخل فذاك حين لا أراك أبدا، فنزلت الآية، فقال صلى الله عليه وسلم " والذى نفسى بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحب اليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين ". وروى أن رجلا من الأنصار، لعله عبد الله بن زيد الأنصارى، جاء النبى صلى الله عليه وسلم فقال لأنت أحب الى من نفسى وأهلى ومالى وولدى، ولولا أنى آتيك فأراك لظننت أنى سأموت، أى حزنا وبكى، فقال صلى الله عليه وسلم " ما يبكيك؟ " قال ذكرت أنك ستموت ونموت، فترفع مع الأنبياء، ونحن ان دخلنا الجنة كنا دونك، فلم يخبره النبى صلى الله عليه وسلم بشىء، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقرأها عليه وقال " أبشر " ولما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى الى ذلك الأنصارى رجل وهو فى حديقة له، فأخبره بموت النبى صلى الله عليه وسلم فقال اللهم أعمنى فلا أرى شيئا بعد حبيبى حتى ألقى حبيبى فعمى مكانه رضى الله عنه ".

{ وحسن أولئك رفيقا } تمييز محول عن الفاعل، لأنه لو قيل وحسن رفيق هم أولئك لصح وهو جامد أو حال، لأنه ولو جمد لكن صح تأويله بمرافقين، وهو يطلق على الواحد فصاعدا، ولذلك أفرد فى الوجهين، أو أفرد على معنى وحسن كل واحد من النبيين، وكل واحد من الصديقين، وكل واحد من الشهداء، وكل واحد من الصالحين رفيقا، أعنى أن المراد حسن كل واحد من أفراد هؤلاء رفيقا، أو هو تعجيب كأنه قيل ما أحسنهم أى تعجبوا أيها المؤمنون من حسنهم. وقرىء باسكان السين تخفيفا من الضم مع بقاء فتح الحاء، وجاز فى الكلام أيضا ضم الحاء واسكان السين نقلا للضم منها الى الحاء. وروى محمد بن اسماعيل، وأبو الحجاج المحدثان، عن أنس

" أن رجلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الساعة فقال متى الساعة؟ قال " وما أعددت لها؟ " قال لا شىء إلا أنى أحب الله ورسوله، فقال " أنت مع من أحببت " قال لنا فما فرحنا بشىء أشد منه بقول النبى صلى الله عليه وسلم " أنت مع من أحببت "

قال أنس فأنا أحب النبى صلى عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبى اياهم، وان لم أعمل بأعمالهم.

[4.70]

{ ذلك الفضل } المذكور الذى هو كون من أطاع الله والرسول مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، كذا ظهر لى، ثم رأيته للسيوطى ذلك وما قبله من ايتاء الأجر العظيم، وهداية الصراط المستقيم، لأن الإيتاء والهداية لم يذكرا على الثبوت، بل على الامتناع عمن لم يفعل ما يوعظ به. وأجاز القاضى الاشارة الى ذلك كله، لأنهما ولو ذكرا على النفى فمن انتفى عنه فعل ما يوعظ به، لكنهما يثبتا لمن فعله، وأجاز عودها الى انعام الله على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والفصل نعت أو بيان أو بدل للمبتدأ الذى هو ذلك والخبر هو قوله { من الله } أو الفضل خبر، ومن الله حال من الفضل، لأن المبتدأ اسم إشارة. { وكفى بالله عليما } بثواب من أطاع الله والرسول، فثقوا به لا يخفى عنه المطيع المستحق للثواب، لأنه أطاع بتوفيقه تعالى، والتوفيق مخبرا أو كفى به عليما بمقادير الفضل، أو كفى به عليما بعباده، منة من الله تعالى. قال أبو هريرة

" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة " قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال " ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله بفضله ورحمته " أى ولا أنت يدخلك الجنة عملك، ويروى " لن يدخل أحدكم الجنة بعمله " قالوا ولا أنت؟ قال " ولا أنا إلا أن يتغمدنى الله برحمته ".

[4.71]

{ يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم } أى استعملوا حذركم، ولا تهملوا الحذر، شبه من استعمل الحذر بمن أخذ شيئا بيده، فأمر بأخذ الحذر تشبيها بأخذ السيف أو نحوه، يتقى به عن نفسه العدو، أو شبه الحر بالسيف مثلا لحصول السلامة بكل، وقيل الحذر بمعنى السلاح، وذلك مجاز وجهة أن السلاح آلة للحذر. { فانفروا ثبات } اخرجوا الى جهاد العدو حال كونكم جماعات، كل جماعة بعد الأخرى، فان ذلك يرهب العدو اذا كان يسمع بالمدد، أو يراه شيئا فشيئا، ولا سيما اذا حصل الالتقاء مع جماعة، ثم تزايدت الجماعات جماعة بجماعة، وأخرجوا جماعات متفرقات مقدرة أن تغير على العدو، من ها هنا ومن ها هنا. والثبات الجماعات، والنصب على الحال، والثبتة الجماعة وهى السرية قيل فوق العشرة، وأصله ثبتى فالتاء عوض عن بدل لام الفعل المحذوفة لالتقاء الساكنين، وهما الألف المبدل عن لام الفعل والتنوين، كذا تقول ثبت الرجل أى مدحته وجمعت محاسنه المتفرقة، قال الفارسى، ويأتى ان شاء الله الكلام عليه فى سورة التوبة. { أو انفروا جميعا } كلكم بمرة مع نبيكم صلى الله عليه وسلم، هكذا قال ابن عباس رضى الله عنه، ومقابلة انفروا ثبات يرسل الرسول ثبة بعد ثبة، أو انفروا بنية واحدة خالصة، لا يخذل بعضكم بعضا بالقعود عن الخروج، أو بالتقصير فيه، والآية فى القتال ويلتحق به التعاون على الطاعة مطلقا.

صفحة غير معروفة