" وعن الرجل احتلم ولا يجد بللا قال " لا غسل عليه "
قالت أم سلمة والمرأة ترى ذلك هل عليها غسل؟. قال " نعم " أى إن أنزلت كما فى الرجل وممن أجاز العبور فى المسجد للجنب ابن مسعود وأنس والحسن وسعيد بن المسيب وعكرمة والضحاك وعطاء الخراسانى للنخعى والزهرى والشافعى، واحتج لهم بأن حمل العبور على عبور المسافر فى سائر الأرض، فيتيمم للصلاة جنبا يحتاج بلا ضمان عدم الماء، وذكر التيمم، وأجيب بأن ذلك ليس إضمارا بل شىء ذكر فى آية أخرى، وفيما يلى ذلك من السورة، واحتج لهم بذكر ذلك فيما يلى، فيتكرر وأجيب بأنه تصريح بما يفهم لا تكرير، واحتج باستحسان القراء الوقف على { تغتسلوا } ، وأجيب بأنه لا يكون حجة قاطعة ولا سيما أنه يكون متهم من هو قائل بمدعى الشافعى. { وإن كنتم مرضى } مرضا يزيده الماء ضررا، أو يؤخر برءه ودخل فى المرض الجدرى وإحراق النار، ويفهم بالأولى إلحاق حدوث المرض بالماء، ومن صح بعض أعضائه، ومرض بعض غسل الصحيح، ويتيمم للمريض جمعا بين الطهارة، كما روى
" أنه صلى الله عليه وسلم قال فى رجل شج وأجنب، فاستفتاهم فى التيمم، فقالوا لا إلا الغسل - قتلوه قتلهم الله - " يكفيه أن يتيمم ويمسح على العصابة ويغسل سائر جسده "
فجمع بين الغسل والتيمم، وتفريع ذلك فى الفقه، ومنها أنه قيل إن كان أكثر أعضاء ما يغسل صحيحا غسل ولم يتيمم للعليل العليل، وقيل يتيمم للعليل ولو قل، ويغسل الصحيح، وقيل يتيمم للعليل والصحيح، ولو قل العليل، ولا غسل للصحيح، وقيل إن كان العليل الوجه أو الفرج يتيمم للجميع، وإلا يتيمم له وغسل الصحيح، وإن كان نجس لا يقدر على غسله فى أعضاء الغسل أو غيرها، أو لا يقدر على الاستنجاء، فقيل يصح له الوضوء، وقيل لا، وإذا قيل يتوضأ فقيل يتيمم للنجس، وقيل لا، وإذا لم يقدر على غسل نجس، أو لم يجد الماء أمكنه أن يقشره أو يحكه بالتراب فليقشر ويحكه، ولا يقتصر على التيمم أو الوضوء، ووجه التيمم عند المرض توسعه الله لنا لئلا نلقى بأدينا إلى التهلكة فالماء عند المرض كالعدم.
{ أو على سفر أو جآء أحد منكم من الغآئط أو لامستم النسآء فلم تجدوا مآء } قبل عدم وجود الماء عائد إلى الثلاثة الكون على سفر، ومحى أحد من الغائط، وملامسة النساء، وعلى سفر متعلق بمحذوف، معطوف على مرضى، أى أو ثابتين على سفر، وجاء أحد معطوف على كنتم مرضى، وسواء فى السفر أن يكون طويلا أو قصيرا ومثله غير السفر إذا كان لا يدرك الماء فى غير السفر إلا فات الوقت، أو لا يدرك الصلاة به، فإنه يتيمم ولو فى الوقت، وقيل يعيد فيه. وقال الشافعى يعيد لو بعد الوقت، ولا يعيد الصلاة إذا وجد الماء. وقال أبو حنيفة يؤخر الصلاة حتى يجد الماء، لأنه فى غير السفر. ففى حديث أبى ذر وغيره التيمم طهور المؤمن، ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك وهو يشمل الحضر والسفر، ولو كان سببه السفر، والغائط المكان المنخفض ، وكانت العرب تقصده لقضاء حاجة الإنسان، استتارا عن الناس، فكان المجىء من ذلك المكان الذى قصد لقضائها كناية عن قضائها، لو سمى قضاها باسم المحل، وهو الغائط فكأنه قيل أو جاء من قضائها، أو سمى البول فضلة الطعام الخارجة من الإنسان غائطا، تسمية باسم محلها، وملامسة النساء جماعهن، وزعم الشافعى أن ملامستهن، مسهن بيد فى أى موضع فعنده إن من مس زوجته بيده ولو فى غير فرجها ينتقض وضوءه، ورجح بعضهم هذا لأنه حقيقة. والملامسة بمعنى الجماع مجاز، وقد روى ما قال الشافعى عن ابن مسعود وابن عمر والنخعى والزهرى والأوزاعى، فعن ابن عمر قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته وجسها بيده فعليه الوضوء، وكذا عن ابن مسعود وقال مالك، والليث بن سعيد، وأحمد، وإسحاق إن مس زوجته بيده بشهوة، انتقض وضوءه، وإن لم يكن بشهوة لم ينتقض، ومذهبنا إن مس الرجل امرأته لا ينتقض الوضوء، وكذا قبلتها، إلا إن مسها فى عورتها بيد أو غيرها، أو حدث له بلل لا نقض عليه، ولو مس بشهوة ولو انتشر وكذا النظر بشهوة، ولو إلى عورتها لا ينقض ولو لشهوة، ولو انتشر وإنما ينقض مس عورته، أو البلل. وأما حديث
" من قبلة الرجل امرأته الوضوء "
فمعناه أن القبلة سبب لتجديد الوضوء بأن يخرج منه بلل. وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل ولا يجدد الوضوء. ثبت هذا عندنا فى الحديث، وروى قومنا عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ.
قال عروة من هى؟ إلا أنت؟ فضحكت. فقيل استدل به مالك ومن معه على أن المس بلا شهوة غير ناقض، وهو استدلال مشكل بأنه لا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم مس بلا شهوة، بل المتبادر أنه مس بشهوة، وقال بعض قومنا هذا الحديث ضعيف، وكذا قال الترمذى لا يصح إسناده، وقال سمعت البخارى محمد بن اسماعيل يضعف هذا الحديث . وقال حبيب بن ثابت لم يسمع من عروة مع أنه قد ذكر فى سنده وقال ابن القطانى هذا الحديث ضعيف كالعدم. وليس عروة هذا هو ابن الزبير بن أخت عائشة رضى الله عنها، بل هو شيخ مجهول يعرف بعروة المزنى، وإنما المحفوظ عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم. قلنا ليس كذلك بل حفظ عنها ذلك أيضا، ويدل لمذهبنا أيضا أحاديث عائشة فى مستها رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أخمص رجله وهو يصلى فى البيت بلا مصباح تبحث عليه غيره، وأنها نامت وجدت رجليها لكنها الماسة، وإذا سجد غمزها فقبضت رجليها لكن بلا شهوة، لأنه فى الصلاة وأما أن يقال غمزها على حائل فلا دليل عليه، وذلك أنه إذا كان الغمز عليه فلا نقض، ومذهبنا هو مذهب ابن عباس والحسن والثورى. وقال أبو حنيفة لا ينتقض الوضوء باللمس إلا إن أحدث الانتشار، وتحمل الملامسة فى الآية على الجماع، وبه قال على وابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة، قال ابن عباس إن الله تعالى حى كريم، يكنى عن الجماع بالملامسة، وهو أقوى ولو مجازا لدلالة الأدلة على أن المس لا ينقض الوضوء. وقال مالك الملامسة مطلق المس بالجماع أو باليد، وعندنا أيضا لا نقض بمس المحارم، والأجنبية الصغيرة، إلا بخروج البلل أو بالشهوة، أو بمس موضع لا يجوز نظره، وينقضه مس بالغة غير محرمة، وفى مس ما يجوز نظره قولان المشهور المنع، وينتقض بمس الأجنبية البالغة عمدا، ولو فى شعرها أو ظفرها أو سنها، وكذلك قال الشافعى لا نقض بمس المحارم من النساء على الأصح عنه لأنه ليس محركا للشهوة، وعنه النقض لعموم النساء، ولا نقض على الملموس إلا إن ثبت وتعمد، وقيل ينقض، والقولان فى المحرمة عند الشافعى، وفى الأجنبية ما عندنا، وإن لمس امرأة محرمة أو أجنبية أو طفلة ولو فى الوجه أو الكف ولو بغير اليد لشهوة انتقض وضوؤه عندنا قولا واحدا، ومن مس شيئا من جسدة شهوة، أو نظر إليه شهوة ولو غير عورة انتقض وضوؤه، ومن مس فرجه عمدا انتقض وضوؤه ولو بلا شهوة، وفروع المسألة فى الفقه. وأما ما رواه طلق بن على
" قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل كأنه بدوى، فقال يا نبى الله ماذا ترى فى مس الرجل ذكره بعد ما توضأ؟ قال " هل هو إلا بضعة منه؟ "
فإنما هو فى أول الهجرة. وأحاديث أبى هريرة وغيره فى النقض بمس الذكر بعده، فهو ناسخ له، أو حديث طلق فى المس بغير اليد، وأحاديث أبى هريرة وغيره فى المس باليد فهن تقييد واستثناء من عموم للتصريح باليد، وما لم يصرح فيه باليد مما فيه النقض حمل على اليد. { فتيمموا صعيدا طيبا } أى فاقصدوا صعيدا طيبا، وهذا إجمال إذ لا يدرى من القصد إلى الصعيد الطيب ما يصنع القاصد إذا قصده، فبينته السنة بوضع اليدين فى الأرض الوجه وضربها للكفين، ومسح الوجه والكفين. والصعيد الرتاب، والطيب الحلال الطاهر، ولا يجزىء غير التراب إلا على وجه الضرورة، ويدل لذلك فيما عندى قوله فى سورة المائدة
صفحة غير معروفة