712

[4.26]

{ يريد الله ليبين لكم } مفعول يريد محذوف، واللام للتعليل، أى يريد الله إنزال هذه الآيات ليبين لكم، وقيل مفعوله مصدر " يبين " واللام صلة للتأكيد، أى يريد الله التبيين لكم، ومفعول يبين محذوف أى ليبين لكم مصالحكم، ودينكم، أو ما يقربكم، أو أن الصبر عنهن خير. { ويهديكم سنن الذين من قبلكم } شرائع من قبلكم، أو إبراهيم عليه السلام، ومن تبعه فى تحريم الأمهات والبنات، والمنع من تزوج الأمة إلا إن كانت مؤمنة مع عدم الطول، ومع خوف العنت، وقيل ليس كل ذلك عند من قبلنا، ولكن المعنى يبين لكم مثل سنن من قبلكم لأن الشرائع ولو اختلفت لكن كلف بكل، والعقاب على الترك والثواب على الوفاء، واتفقوا أن أولاد آدم أبيح لهم أخواتهم.. { ويتوب عليكم } يرجع بكم عن المعاصى التى كنتم عليها لم يبحها لكم ولم تعذروا فيها فى الجاهلية كالزنى إلى طاعته أو يغفر لكم ذنوبكم، أو يحثكم على التوبة أو يرشدكم إلى ما يكون كفارة لسيئاتكم. { والله عليم } بمصالح عباده دينا ودنيا. { حكيم } فيما دبر لكم.

[4.27]

{ والله يريد أن يتوب عليكم }أى يحب أن يتوب عليكم، وإرادته تعالى مجاز فى معنى الحب، حقيقة فيما قضاه، ولا يتخلف، وحبه يتخلف فإن الله أحب الطاعة وأبغض المعصية، وعصاه من عصاه، ولم يطعه، فالله جل وعلا أحب أن يتوب على الناس، أى أن يقبل توبتهم بأن يأتوا بما تقبل به، فمنهم من أتى بما تقبل به، فتاب عليه أى قبلها، ومنهم من لم يأت به فلم يقبلها أو يحب أن يخرجكم من الظلمات إلى النور فأخرج من أخرج، وترك من ترك، اختيارا منه ومنهم، وهو عالم بهم بلا أول ويريد أن يدلكم على ما يكون سببا لتوبتكم وغفران ذنوبكم، وقد دلكم. والإرادة فى هذا الوجه على حقيقتها لا تتخلف لأن الله جل وعلا قد هدى كل مكلف أى يبين وله وكرر التوبة للتأكيد وليقابل به قوله تعالى { ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما } عن الحق، أى يريد الكفار خلاف ما قضى الله، أو خلاف ما أحب الله، ومعنى { الذين يتبعون الشهوات } كل من اتبع ما لم يبحه ما أحب الله من المشركين فإن المشركين اليهود والنصارى وغيرهم، يحبون أن يميل المؤمنون عن دين الله عتقادا، وقولا، وفعلا، فلذلك الميل العظيم. وقيل المراد اليهود والنصارى وبه قال السدى، وقالت فرقة هم اليهود خاصة، لأنهم أباحوا نكاح بنت الأخت من الأب، وقيل المراد المجوس، لأنهم أباحوا نكاح الأخوات وبنات الإخوة مطلقا، ولما حرمهن الله قالوا إنكم تحلون بنت الخالة، وبنت الخالة والعمة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ وبنات الأخت، فنزلت هذه الآية وقال مجاهد هم الزناة يريدون أن تكونوا مثلهم. وقال ابن زيد والطبرى الآية فى كل من اتبع شهوته، وأراد أن يكون غيره مثله سواء كان مشركا أو موحدا، والمراد بالشهوات ما حرم الله، ودخل فيها فعلك ما تكره موافقة لمن دعاوك إلى فعله، لأنك اشتهيت وفاقه ففعلت وأما الحلال فمن اشتهاه وفعله فتابع الشرع حقيقة، إلا إن خالطه عارض صرفه، وقرىء { يميلوا } بالتحتية، أى الذين يتبعون الشهوات.

[4.28]

{ يريد الله أن يخفف عنكم } أى يريد الله تسهيل الشريعة لكم لا تثقيلها كما ثقلها على من قبلكم، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وما جعل عليكم فى الدين من حرج، قال صلى الله عليه وسلم

" بعثت بالحنيفية السهلة السمحة "

وذلك من إباحة تزوج الأمة، وقال من قال لم يبح لم قبل وقد خرج مجاهد الآية عليه، وعنه أيضا أن التخفيف عام فى أمر ديننا كله، وبهذه الرواية يتبين أن المراد فى الرواية الأولى عنه التمثيل بنكاح الأمة لا حصر الآية فيه. { وخلق الإنسان ضعيفا } لا يصبر عن الشهوات، وعلى مشاقة الطاعات فلا يصبر عن الوطىء فحللنا له غير هؤلاء اللاتى حرمنا. وقيل ضعيف القوى عن قهر الهوى، ولا سيما فى أمر النساء، قال سعيد بن المسيب ما أيس الشيطان من بنى آدم قط إلا أتاهم من قبل النساء فقد أتى على ثمانون سنة وذهبت إحدى عينى وأنا أعشو بالأخرى وإن خوف ما أخاف على فتنة النساء والقولان أولى من حمل الضعف على ضعف البدن، ومن حمل الضعف على ضعف أصله وهو كونه من ماء مهين، لأن ذلك جاء معرض الدلالة على تخفيف التكليف، ومن قرى الله داعيته إلى القيام بما كلف به فهو القوى، ولو كان أضعف الخلقة، وقرأ ابن عباس بالبناء للفاعل ونصب الإنسان، أى وخلق الله الإنسان ضعيفا، وروى قومنا عن على ابن أبى طالب أنه قال ثمانى أناث فى سورة النساء، هى خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت

يريد الله ليبين لكم

والله يريد أن يتوب عليكم، يريد الله أن يخفف عنكم أن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه إن الله لا يغفر أن يشرك به إن الله لا يظلم مثقال ذرة، ومن يعمل سواء أو يظلم نفسه ما يفعل الله بعذابكم.

صفحة غير معروفة