" تسوموا فإن الملائكة قد تسومت "
وفى رواية تسومت بالصوف الأبيض فى قلانسهم ومغافرهم، وعن الحسن وقتادة والضحاك قد أعملوا العهن فى نواصى خيلهم وأذنابهم، والعهن الصوف المصبوغ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما كانت سيما الملائكة يوم بدر، عمائم بيض قد أرسلوها فى ظهورهم. وروى أن الملائكة أعلمت يوم بدر بعمائم بيض إلا جبريل فإنه كان بعمامة صفراء، على مثل عمامة الزبير بن العوام، وروى عباد ابن عبد الله بن الزبير أنه كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء، فنزلت الملائكة كذلك.
وعن هشام بن عروة كانت عمائمهم صفراء مرخاة على أكتفافهم وعن عروة بن الزبير كانت الملائكة على خيل بلق، عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم. قال القرطبى لعل الملائكة نزلوا على الخيل البلق لموافقة فرس المقداد بن الأسود، فإنه كان أبلق إكراما للمقداد، كما نزل جبريل عليه السلام متعمما بعمامة صفراء، على مثال الزبير بن العوام، وفى ذلك فضل الخيل البلق، والعمامة الصفراء. وقيل معنى مسومين مرسولون أى أن الله أرسلهم ليحضروا القتال، ويقاتلوا، أو أرسلوا أنفسهم وخيلهم وكذا على قراءة الكسر للواو، وأرسلوا خيلهم فإنها أيضا تقاتل بنفسها، فتقتل الكفار وذلك من التسويم بمعنى الإسامة، وهو ترك الماشية لترعى، فأرسلهم الله وأرسل خيلهم، أو أرسلوا خيلهم كإرسال الماشية للرعى.
[3.126]
{ وما جعله } ما جعل. { الله } الإمداد. { إلا بشرى لكم } بالنصر. { ولتطمئن قلوبكم به } لتسكن قلوبكم بالإمداد فلا تجزعوا من قلتكم وكثرة عدوكم، وهذا وما بعده مما يزيل الشك عن القلب، إذ قد يكون فى القلب ارتياب فى أن الملائكة مع قوتها، حضرت القتال ولم يكن إلا ما كان من قتل بعض المشركين، ولم يقتلوا كلهم، وفى أنه كيف تخلص القتل إلى بعض المسلمين مع حضور الملائكة، مع أن الملائكة الواحد لو أمر بقتل المشركين لقتلهم جميعا بمرة، ولم يبقوا قدر ما يصلون لا قتل مسلم أو أقل من ذلك القدر، فإن جبريل وحده عليه السلام، قلع خمس قرى من قرى قوم لوط من سبع الأرضين بريشة واحدة، وقلبها، فأجاب الله الرحمن الرحيم بنا، اللطيف بنا، والحمد لله بأن حضور الملائكة ولو كان على هيئة القتال، وقاتلت وقتلت بعض المشركين يوم بدر، وتخزمت وجاءت ورجعت فى الميدان، لكن لم يرسلها الله إلا تبشيرا وتسكينا لقلوب المؤمنين، لتشتد قلوبهم، إذا علم من علم ورأى من رأى ذلك منهم، ولا يبالوا بقتلهم، وتأخر من تأخر فيحصل لهم أجر القتال وأجر الشهادة، وإلا ليقتل منهم من أراد الله قتله من المشركين بأمره وتمكينه منه، ولله أن يفعل ما يشاء، فزالت الريبة، وزال إنكار أبى بكر الأصم، عمن ينكر، كإنكاره أن يكون حضورهم للقتال، وإنهم قاتلوا كأشد القتال لشبه قوتهم، فالنصر من الله لا من الملائكة بكثرة العدو، كما قال { وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم } فلا تتوكلوا إلا عليه لأنه ذو العزة فلا يغلبه شىء، وذو الحكمة لكمال علمه، فلا تخفى عليه مصالحكم. وبشرى مفعول ثان لجعل لا مفعول لأجله، ولتطمئن متعلق بمحذوف، أى فعل ذلك لتطمئن، ويجوز أن نجعل فعل المعنى أوجد فيتعدى الواحد فينصب { بشرى } على أنه مفعول لأجله فيكون اللام فى { لتطمئن } ذكرت لعدم اتحاد الفاعل فيه، فيكون معطوف على { بشرى } من العطف على قدر المعنى، لأن المعنى للتبشير ولتطمئن.
[3.127]
{ ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خآئبين } اللام متعلق بنصر إذا لم يجعل إذ بدلا من إذ وإلا لزم القصة أحدان متعلق بالنصر على أن أل فيه للعهد، وهذا الوجه جائز سوى قلنا ذلك كله فى قصة أحد، أو غير ذلك، وكذا إن علق بجعل والطرف الجماعة، واختار لفظ الطرف ليدل على أن القطع ليس استئصالا لهم، فهو مناسب لقوله تعالى
قاتلوا الذين يلونكم من الكفار
وقوله
أو لم يروا أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها
صفحة غير معروفة