{ ربنآ آمنا بمآ أنزلت } على عيسى وهو الإنجيل على أنه قد أنزل عليه فى ذلك الوقت، لأنه نزل عليه قبل الأربعين، بل قيل نزل عليه وهو صغير، أو أرادوا التوراة. قيل تزول الإنجيل، أو جنس كتب الله تبارك وتعالى، أو ما أنزل الله على عيسى من وحى. { واتبعنا الرسول } عيسى. { فاكتبنا مع الشاهدين } لك يا ألله بالوحدانية، ولرسولك بالصدق، أو مع الشاهدين بالصدق لرسلهم، وعن ابن عباس رضى الله عنهما مع محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته، لأن قوله { مع } بعد لفظ " اكتبنا " يدل على فضيلة من طلبوا الانضمام إليه، ولا أحق بتلك الفضيلة من سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأمته، وسموا شاهدين، لأنهم يشهدون على الأمم. وقيل { الشاهدين } النبيون، لأنهم يشهدون على أممهم فإذا أنكرت أممهم صدقهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته.
[3.54]
{ ومكروا } أى مكر الذين أحس عيسى منهم الكفر بعيسى، ومعنى مكرهم أنهم وكلوا عليه من يقتله خفية. { ومكر الله } بهم، أى جازاهم على مكرهم، سمى الجزاء مكرا لأنه مسبب لمكرهم، فهو من تسمية المسبب باسم السبب، أو للمشاكلة، أو تشبيها على الاستعارة، ومعنى { ومكر الله } أنه ألقى الشبه على من جاء لقتله فكان هو المقتول، غما له، ولمن أرسله للقتل، وأوقع بينهم قتالا عظيما لشأن هذا المقتول. { والله خير الماكرين } أفضلهم مكرا، بمعنى أن مكره أقوى وأعظم إذ لا يطاق، وإذ يكون من حيث لا يحتسب محتسب، قيل إن يهوذا ملك اليهود، أراد قتل عيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - وكان جبريل عليه السلام لا يفارقه ساعة، كما قال الله تعالى
وأيدناه بروح القدس
فأمره جبريل أن يدخل بيتا فى سقفه منفذ، فدخل فأخرجه جبريل من المنفذ، وقد أمر الملك رجلا من أصحابه يقال له ططيانوس أن يدخل البيت ويقتله، فدخل ولم ير عيسى فأبطأ عليهم، فظنوا أنه يقاتله، فألقى الله عليه شبه عيسى، ولما خرج ظنوا أنه عيسى، فقتلوه وصلبوه، يظنون أنه عيسى، وهو يصيح أنا ططيانوس.. فلم يلتفتوا إليه ثم قالوا وجهه يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا، وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى، فوقع بينهم قتال عظيم. وعن وهب بن منبه أن اليهود طرقوا عيسى فى بعض الليل، ونصبوا له خشبة ليصلبوه عليها، فأظلمت الأرض، وأرسل الله الملائكة فحالت بينهم وبينه، فجمع عيسى عليه السلام الحوارين، تلك الليلة وأوصاهم، وقال ليكفرن بى أحدكم قبل أن يصيح الديك، ويبيعنى بدراهم يسيرة، فخرجوا وتفرقوا، وكانت اليهود تطلبه فأتى أحد الحواريين اليهود، وقال ما تجعلون لى أن دللتكم عليه؟ فجعلوا له ثلاثين درهما فأخذها، ودلهم عليه، ولما دل البيت الذى فيه عيسى، ألقى الله عليه شبه عيسى، ورفع الله عز وجل، عيسى، وأخذوا الذى دلهم عليه، فقال أنا الذى دللتكم عليه فلم يلتفتوا إلى قوله، فقتلوه وصلبوه يظنونه عيسى. وعن ابن عباس رضى الله عنهما، أن عيسى عليه السلام استقبل رهطا من اليهود، فلما رأوه قالوا قد جاء الساحر ابن الساحرة، والفاعل ابن الفاعلة فقذفوه وأمه، فلما سمع عيسى ذلك، دعى عليهم ولعنهم، فمسخهم الله خنازير، ولما رأى ذلك يهوذا ملكهم، فزع وخاف دعوته، فاجتمعت كلمة اليهود على قتله، فأرسلوا ططيانوس إليه، وأخرجه جبريل من منفذ البيت، وألقى الشبه على ططيانوس فقتلوه، قيل لما صلب شبيه عيسى، جاءت أمه مريم وامرأة كانت مجنونة - فأبرأها تعالى بدعاء عيسى عليه السلام - تبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى، فقال علام تبكيان؟ قالت عليك.
. فقال إن الله تعالى رفعنى ولم يصبنى إلا خيرا، وإن هذا شخص شبه لهم. ولما كان بعد سبعة أيام قال الله تعالى لعيسى اهبط إلى الأرض، إلى مريم الحزينة فى جبلها، فإنه لم يبك عليك أحد بكاءها، ولم يحزن حزنها ثم لتجمع لك الحواريين، فبثهم فى الأرض دعاة إلى الله عز وجل، فأهبطه الله عليها، فاشتعل الحبل نورا حين أهبط، ثم جمعت له الحواريين فأمرهم، فكان كل واحد منهم يتكلم بلغة من أرسله عيسى إليهم. وعن السدى أن اليهود حبست على عيسى فى بيت، ومعه عشرة من الحواريين، فدخل عليهم رجل منهم، وكان قد نافق، فألقى عليه شبه عيسى فأخذ وقتل وصلب، وقال قتادة ذكر لنا أن نبى الله عيسى عليه السلام قال لأصحابه أيكم يلقى عليه شبهى فيقتل، فقال رجل منهم أنا يا نبى الله. فقتل ذلك الرجل، ورفع الله عيسى وكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب فهو مع الملائكة حول العرش، كذا حكى قتادة.
[3.55]
{ إذ قال الله ياعيسى إنى متوفيك } مميتك بدون أن يقتلك هؤلاء الذين قصدوا قتلك، فإنهم لا يصلون إليك. { ورافعك إلى } بجسدك وروحك بعد أن أحييك فى الأرض، أرسل الله سبحانه سحابة، فرفعته وتعلقت به أمه تبكى، فقال لها إن القيامة تجمعنا، ومعنى رفعه إلى الله رفعه إلى سماواته وملائكته كحاله فى الدنيا، إلا أنه لا يأكل ولا يشرب، وألبس نورا، وكذلك فسر ابن عباس ومالك فى العتيبة المتوفى بالإماتة. قال وهب بن منبه إن الله تعالى توفى عيسى، ثم أحياه ورفعه إليه، وبه قال النصارى، ولكن لعنهم الله يقولون إن المرفوع روحه دون الجسد. فرد الله عليهم بأنه يتوفى جسده ويرفعه وقال الفراء معنى متوفيك مميتك بعد إنزالك إلى الأرض آخر الزمان. فالواو عطفت فى هذا القول سابقا، وأصل الكلام يا عيسى إنى رافعك إلى. { ومطهرك من الذين كفروا } ومميتك، ومعنى تطهيره من الذين كفروا تنجيته من سوء جوارهم وقتلهم، وإبعاده إياه عنهم، وعلى قول الفراء رفع بلا موت، وكذا أكثر القول، إنه لم يمت. فقيل متوفيك معناه قابضك بلا موت، تقول توفيت الشىء، أى أخذته وقبضته تاما، لم يصله أعداؤه بقتل ولا بما دونه، وقيل المراد بالتوفى " الإنامة " كما قال الله جل وعلا
الله يتوفى الأنفس حين موتها والتى لم تمت فى منامها
نام عيسى فرفعه الله وهو نائم لئلا يلحقه خوف، أى سأنيمك وأرفعك إلى، وقال أبو بكر الواسطى معناه إنى متوفيك عن شهواتك، أى فليكون كملائكة الله بلا شهوة لأن الشهوات عائقة عن العروج إلى عالم الملكوت، وقيل معنى متوفيك مكمل أجلك، لا أسلط عليك من يقتلك، واختاره الكشافى. { وجاعل الذين اتبعوك } هم المسلمون من أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، لأن ما جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من التوحيد وغيره، مما لم ينسخ، هو ما جاء به عيسى وزيادة، فمتبع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، متبع لعيسى عليه السلام فى ذلك. { فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة } هم ملل النصارى كلهم، واليهود وغيرهم من ملل الشرك، لأن من آمنوا بعيسى، ولم يدخلوا الشرك فى إيمانهم، قد انقرضوا، ومن بقى منهم إلى بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد كفروا بجحوده، صلى الله عليه وسلم أو جحود بعثه إليهم، والعيان أقوى دليلا، فإنك لا تجد اليوم، ولا قبل اليوم، نصرانيا إلا وقد أشرك بصليب، أو قوله إن عيسى إله، وإنه هو الله أو ابنه أو بإنكار بعث الأجساد وكل ذلك زائد على إنكاره خاتم النبيين، أو إنكار بعثه إليه، ولا تجد أن تقول الذين اتبعوه هم من آمن به من النصارى، مع هذا الكفر البين، وأيضا شاهدنا وسمعنا، ورأينا فى الكتب، أن النصارى الغالبين فى الجزائر، وبارز، والأندلس وغيرهن، ليسوا متبعين لعيسى، ولا تجد أيضا أن تقول كما قال بعضهم الحواريون رضى الله عنهم، لأنه لم يملكوا فضلا عن بقاء ملكهم إلى يوم القيامة، ولهذه الحجج المضيقة قيل الذين اتبعوك النصارى والذين كفروا اليهود إذ كفروا به، فلم تسمع لهم دولة من زمان عيسى إلى الآن، ويرده أنه لا يصح أن يقال لمن فى تلك المنزلة من الكفر الذى ذكرت عن النصارى أنه اتبع عيسى، فأوضح تفسير أن المتبعين هذه الأمة، والذين كفروا النصارى واليهود وسائر المشركين فلا غلبة مستمرة بالحجة فى الدين، ولا بالسيف إلا لهذه الأمة، ومهما رأيت من شىء فلقرب الساعة والنصارى إلى الآن ترتعد من العرب والبربر المتعرية والخالصة.
صفحة غير معروفة