553

هميان الزاد إلى دار المعاد

مناطق
الجزائر

والمسيح لقب، واللقب يؤخر عن العلم، وعيسى علم فإنما قدم اللقب هنا لشهرته فوجوب تأخيره مقيد بألا يكون أعظم فى الشهرة من العلم، وأن لا يكون أدل على المسمى، كما لوح إليه الصبان عن الشيخ بآيس. و { اسمه } مبتدأ، و { المسيح } خبر، و { عيسى } خبر ثان، و { ابن مريم } خبر ثالث، أو نعت عيسى، و { ابن } يكتب بالألف فى مصاحفنا، أعنى مصاحف المغرب، ولو كان بين علمين تابعا بدلا أو نعتا أو بيانا، وهو من شذوذ خط المصحف. قال عبد الله محمد بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله الأموى الأندلسى الشريشى المعروف بالخرازمى فى باب ما زيد ومع لكنا الشاذ، وهما فى الكهف وابن وأنا، قل حيثما فلا دليل فى مصاحفنا بثبوت الألف على تعين كون { ابن } خبرا ثالثا، بل فى مصاحف المشارقة إذ يكتبونها إذا كان خبرا أو غيره مما ليس تابعا بين علمين، والاسم ما يعرف به الشىء علما، كعيسى، أو لقبا كالمسيح، أو كنية كأبى الخير، وغير ذلك كابن مريم. فصح أن يجعل { ابن مريم } خبرا ثالثا، لقوله { اسمه } فأما أن يراد أن اسمه المعرف له هو مجموع الثلاثة، وإما أن يراد أن أسماءه هذه الثلاثة. ووجه هذا أن تكون إضافة الإسم للجنس، ويجوز أن يكون عيسى خبرا لمحذوف، و { ابن } نعتا له، أو بيانا، أو بدلا، أى هو عيسى بن مريم وأضاف { ابن } للاسم الظاهر وهو { مريم } ، ولم يضفه لضمير الخطاب، مع أن الكلام فى خطاب مريم، تنبيها على أنه تلده بلا أب ينسب إليه، فهو ينسب إليها، فيقال عيسى بن مريم، وإنما يقال فى الإخبار عنه ابن مريم، وكذا فى ندائه، لا ابنك إلا فى حال الخطاب. قيل حملت مريم بعيسى، ولها ثلاث عشرة سنة، وولدته ببيت لحم من أرض أورى لمضى ستة وخمسين سنة من غلبة الإسكندر على بابل، وأوحى الله إلى عيسى على رأس ثلاثين سنة، ورفعه الله من بيت المقدس ليلة القدر من رمضان، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فكانت نبوته ثلاث سنين، وعاشت أمه مريم بعد رفعه ست سنين. { وجيها فى الدنيا والآخرة } أى مرتفع القدر فيهما، أما فى الدنيا فبالنبوة وإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله، وأما فى الآخرة فبالشفاعة. ونصبه على الحال من { كلمة } ، ولو كان كلمة نكرة لأنه موصوف بقوله { منه } ، قوله { اسمه المسيح.. } إلى آخره، وهو حال مقدرة، ويجوز أن يكون قوله { اسمه المسيح.. } إلخ حال أيضا، ولم يقل وجيهة لأن المراد بقوله " كلمة " مذكر كإنسان كما مر. { ومن المقربين } عند الله يوم القيامة بعلو الدرجة فى الجنة، تحت درجة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وفوق درجات المسلمين. وقيل من المقربين إلى الله بالاصطفاء للعبادة، وقيل برفعه إلى السماء وصحبة الملائكة، وذلك أن تدخل علو درجته فى الجنة، فى وجاهته فى الآخرة، وتفسير التقريب يغير ذلك، ويتعلق بمحذوف وجوبا، حال معطوف، أى وثابتا من المقربين، أو جوازا أى ومعدودا من المقربين.

[3.46]

{ ويكلم الناس فى المهد وكهلا } فى المهد متعلق بمحذوف حالا من ضمير يكلم، و { كهلا } معطوفا على هذه الحال، أى ثابتا فى المهد وكهلا، أى يكلم الناس وقت كونه طفلا فى المهد، ووقت كونه كهلا، بكلام الأنبياء، والمراد أن كلامه فى حال الطفولية والكهولة على حد سواء، بكلام النبوة، وجملة { يكلم } قيل معطوفة على

وجيها

و { المهد } ما يفرش للصبى، ويطوى فيه، وأصله مصدر رسمى به، والكهل من اجتمعت قوته وتم شبابه، وأول سن الكهولة ثلاثون سنة، وقيل اثنان وثلاثون، وقيل خمس وثلاثون، وقيل ثلاث وثلاثون، وقيل أربعون وآخرها خمسون، وقيل اثنان وخمسون، وقيل ستون ويدخل فى سن الشيخوخة. وكلام عيسى فى المهد، قوله فى تبرئة أمه

إنى عبد الله آتانى الكتاب

إلى قوله

ويوم أبعث حيا

وعن مجاهد قالت مريم كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدثنى وحدثته، فاذا شغلنى عنه شأن يسبح فى بطنى وأنا أسمع. وعن ابن قتيبة لما بلغ عيسى بن مريم ثلاثين سنة، أرسله الله إلى بنى إسرائيل فمكث فى رسالته ثلاثين شهرا ثم رفعه الله تعالى. وقال ابن منبه جاءه الوحى على رأس ثلاثين سنة، فمكث فى نبوته ثلاث سنين وأشهرا ثم رفعه الله. ومن قال أول سن الكهولة أربعون سنة، فلا بد أن يقول رفع شابا، ويكلم الناس كهلا على هذا إذا نزل آخر الزمان، ويقتل الدجال.. قال الحسن بن الفضل يكلم الناس كهلا بعد نزوله من السماء، قيل لبعضهم هل تجد نزول عيسى فى القرآن؟ قال نعم قوله تعالى { وكهلا } بعد نزوله من السماء، والأولى أنه يكلم كهلا قبل أن يرفعه الله، وفى ذلك بشارة لمريم عليه السلام، بأنه يعيش حتى يكتهل، وخص الكهولة لأنه يكلم فى المهد ببراءتها، وفى الكهولة بالوحى، قيل تكلم ببرائتها تم أمسك عن الكلام إلى وقت تكلم الصبيان. وقيل تكلم فى المهد بالوعظ والذكر، ولم يمسك عنه، وقيل خص الكهولة لأنها وقت استحكام العقل والرأى ولذلك يقال للحكيم كهل. كما قال مجاهد وبه فسره، وفى ذكر اختلاف أحواله من الصبى إلى الكهل رد على وفد نجران وغيرهم، فى قولهم إنه إله، لأن التغير محال فى حق الإله. { ومن الصالحين } متعلق بمحذوف حال معطوفة على حال الضمير فى { يكلم } أو حال { كلمة } ، أى وثابتا من الصالحين، أى من عباد الله الصالحين كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وختم صفاته بالصلاح، لأنه أشرف المراتب، إذ لا يسمى صالحا حتى يواظب على الطاعات قولا وفعلا، فى الطريق الأكمل.

[3.47]

صفحة غير معروفة