- أى ننسبه للبخل - فقال
" وأى داء أدوى من البخل، لكن سيدكم عمرو بن الجموح "
ومن فسر السؤدد بالحلم أو السخاء، فقد أحرز أكثر معنى السؤدد، ومن جوز تفسيره بالعلم والتقى ونحو ذلك، فلم يفسره بكلام العرب، ولكن راعى فيه معنى الشرف، فجعل كل يذكر ما ظهر له من الأمور المستحسنة، وذلك كما قال مجاهد السيد، الكريم على الله.
{ وحصورا } صفة مبالغة، أى بالغ فى حصر نفسه على العبادة، وعن الشهوات والملاهى، ومر بصبيان يلعبون وهو صبى، فدعوه للعب فقال ما للعب خلقت! ويدعونه من بيته للعب فيجيبهم بذلك أيضا، وقيل بالغ فى حبس نفسه عن وطء النساء مع القدرة عليه زهدا ومنعا لنفسه عما تشتهى، وصححت هذا جماعة من المحققين. وعن ابن عباس وغيره الحصور اسم لمن لا يشتهى النساء، وقيل عنه معناه أنه يشتهى ويمنع نفسه وهذا أولى بالنسبة لابن عباس. وممن قال أنه لا يشتهى سعيد بن المسيب ، قال كان له مثل هذه الثوب، وقد تزوج مع ذلك ليغض بصره، وعباره بعض أنه عنين، وهذان القولان لا يليقان بمنصب الأنبياء، لأن ذلك نقصان، والكلام فى المدح. وقيل حصور بمعنى محصور عن المال، أى ممنوع منه، فهو فقير. وقيل محصور عن الذنوب، أى ممنوع ومعصوم عنها، وأنكر المحققون القول بأنه هيوب، والقول بأنه لا ذكر له، لا مدح بذلك بل نقص، إلا أن قيل هيوب للذنوب. وقد يوجه القول بأنه لا ذكر له أو لا يشتهى، لأنه مدح من حيث أن ذلك معين على العبادة، ولكن المدح لأنه سالم مشته مانع نفسه، زهدا أعظم. { ونبيا من الصالحين } أى من أولاد الصالحين، والصالحون هم الأنبياء هنا، أو من جملة مطلق الصالحين، وليس الأول من تحصيل الحاصل كما قيل، ومن صلاحه أنه يعيش بالعشب، وأنه كثير البكاء من خشية الله تعالى، حتى اتخذ الدمع فى وجهه أجدودا.
[3.40]
{ قال رب } أى يا رب. { أنى يكون لى غلام }؟ استفهام تعجب، أو استفهام استعظام أو استفهام استبعاد بحسب العادة، لأن ولادة الشيخ من الشيخة العاقرة خفى السبب مما يتعجب منه، ويستعظم ويستبعد عادة.
والله على كل شىء قدير
ويجوز أن يكون استفهاما حقيقيا، سأل الله أن يفهمه سبب الولادة و كيفيها، مع أنه وزوجته شيخان وهى عاقر ولا خبر للكون، أى كيف؟ أو من أين يحدث لى غلام؟ وإن جعلت له خبرا فهو لى، ويتعلق { أنى } بيكون، وذكر وجه التعجب أو الاستعظام أو الاستبعاد أو حقيقة الاستفهام بقوله { وقد بلغنى الكبر } أدركنى كبر السن وأثر فى، وكان عمره حينئذ تسعا وتسعين سنة، وعمر زوجته ثمانية وتسعين. وقال الكلبى كان عمره اثنين وتسعين سنة، وقيل مائة وعشرين سنة. { وامرأتى عاقر } لا تلد، وأصل عاقر فى هذا المعنى، وصف للنسب، أى ذات قطع، لأنها قطعت عن الولادة، وتغلبت عليه الاسمية، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول، أى معقورة، أى مقطوعة عنها، ولا يشك زكريا فى وعد الله سبحانه وتعالى، ولكن أراد استعظام قدرة الله تعالى، وترد هل يكون الولد بأن يرده الله وزوجته شابين، أو يبقيهما شيخين، أو يرزقه الله الولد من غيرهما من النساء؟ قال الحسن أراد أن يعلم كيف يهب له الولد وهو كبير وامرأته عاقر كقول إبراهيم
رب أرنى كيف تحيى الموتى
وجملة { وامرأتى عاقر } حال من ياء { بلغنى } ، وجملة { قد بلغنى الكبر } ، حال من ياء { لى }. ويجوز أن تكون جملة { قد بلغنى الكبر } وجملة { امرأتي عاقر } حالين من باء { لى } ، والواو فيهما للحال، كذا أفهم كلام بعض، والذى عندى أن الحال الجملى لا يتعدد، ويغنى عن تعدده إبقاء الواو على أصلها الذى هو العطف، فيحصل معنى تعدد الحال بالعطف، لأن المعطوف على الحال فى معنى الحال، والاسمية قد تعطف على الفعلية، ولا سيما أن الفعلية هنا مقرونة ب { قد }. { قال كذلك الله يفعل ما يشآء } أى قال الله ومقتضى الظاهر، قلت كذلك أفعل ما أشاء، ولكن ذكر لفظ الجلالة الجامع لصفات الكمال، ومنها القدرة على توليد عاقر شيخة، من شيخ فان، وزعم بعضهم أن " رب " فى قوله { قال رب أنى يكون لى غلام } هو جبريل، وهو الذى بشره بالولد لجواز استعمال رب، لغير الله إذا أضيف، فيكون على هذا قوله { قال كذلك الله يفعل ما يشآء } على مقتضى الظاهر، أى قال جبريل { كذلك الله يفعل ما يشاء } وكأنه قال يا سيدى، أو يأمرنى بالوحى من الله أنى يكون لى غلام. وعن عكرمة والسدى لما سمع زكريا قول الملائكة
صفحة غير معروفة