" ثم الزكاة مثل ذلك تؤخذ الأعمال على حسب ذلك "
ونظرت كيف أعقب الله آيات النكاح والطلاق وتوابع ذلك بالمحافظة على الصلاة، وظهر لى بعد إفراغ وسعى أنه أعقب بذلك لعظم أمر النكاح والطلاق وتوابعهما واشتغال النفس، فحذرنا مولانا سبحانه وتعالى أن نشتغل بشئ عن المحافظة على الصلوات الخمس، وأكد ذلك بالأمر بها، ولو حال الخوف فى قتال أو دون قتال فى ركوب أو مشى، ثم رأيت القاضى ذكر ما يقرب من ذلك، والحمد لله إذ قال ولعل الأمر بها فى تضاعيف أحكام الأولاد والأزواج لئلا يلهيهم الاشتغال بشأنهم عنها وعد المحافظة بعلى لتضمنها معنى المداومة أو المراقبة، وصيغة المفاعلة هنا لموافقة المجرد ، كأنه قيل احفظوا على الصلوات أى دوموا أو للمبالغة فى الحفظ لها، وذلك أن الفعل فى مقابلة من يفعل يكون أقوى لزيد اجتهاد فاعل حينئذ ليلا يغلب، وأما ما قيل من أن المفاعلة على بابها بل أن يكون المعنى احفظوا الصلوات يحفظكم الله أو أن يكون المعنى احفظوا الصلوات تمنعكم من المعاصى
إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر
أو احفظوا الصلاة تحفظكم من البلايا استعينوا بالصبر والصلاة إنى معكم، لأن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة أى بالنصر، إذ يحفظها بتنور القلب بنور يسهل أداء الفرائض وترك المعاصى، ولا يصح ذلك من جهة القاعدة القريبة، ولو صح ذلك معنى حقا لأنه لم يقل الله جل وعلا حافظوا الصلاة ولا حافظوا الله، وظهر لى الآن إبقاء المفاعلة على بابها بأن يكون المعنى الأمر بأن يتبادروا فى محافظتها، ويجتهد كل واحد أن يزيد على الآخر بالمحافظة أو بالسبق فيها ليرى الله أيهم أحسن عملا.
{ والصلاة الوسطى } عطف خاص على عام لمزية هذا الخاص وفضيلته لأوصاف ليست فى غيره، حتى كأنه ليس من جنس ذلك العام تنزيلا للتغاير فى الوصف منزلة التغاير فى النداءات والوسطى تأنيث الأوسط الذى اسم تفضيل من الوسط بمعنى العدل والخيار كقول من قال فى مدح النبى صلى الله عليه وسلم*
* يا أوسط الناس طرا فى مفاخرهم يا أكرم الناس أما برة وأبا *
وهذا يصح منه بناء اسم التفضيل بأنه يفيد الزيادة، أى والصلاة التى هى أعظم خيرا أو الوسطى من الوسط بمعنى المتوسط بين الشيئين، وهذا لا يبنى منه اسم التفضيل، لأنه لا يقبل الزيادة فليس الوسطى محل هذا مؤنث اسم التفضيل، بل بمعنى المتوسطة بين صلاتين خالفتاها بشئ، فيكون شاذا قياسا فصيحا استعمالا بأن الفعلى بالضم والإسكان والقصر مقيس فى تأنيث اسم التفضيل الباقى على معنى التفضيل أو الخارج عنه، فعن ابن عباس الصلاة الوسطى صلاة الصبح، قال الشيخ هود رحمه الله ويقول ابن عباس هذا بأخذ، وعليه نعتمد وبه قال عمر وابنه عبد الله ومعاذ وجابر بن زيد وعطاء وعكرمة ومجاهد والربيع بن أنس، ومالك والشافعى، ونسب إلى على بن أبى طالب. قال مالك فى الموطأ بلغنى أن على بن أبى طالب وابن عباس كانا يقولان صلاة الوسطى صلاة الفجر، وكذا رواه الترمذى عن ابن عباس وابن عمر، وعن مجاهد أنها صلاة الفجر بأنها بين صلاتى الليل وصلاتى النهار، وأنها أيضا بين صلاتى جمع وصلاتى جمع بين العشا والمغرب اللتين تجمعان، والظهر والعصر اللتين تجمعان، وهى لا تجمع إلى غيرها، ويزداد إلى ذلك أنه لا يدخلها تقصير السفر، ولكن شاركتها فى هذا الأخير المغرب تقصير الخوف مع الإمام عند بعض، فتقتصر عن ثلاث إلى اثنتين عنده، ولا تتم فى حق الإمام ولا المأموم عنده ثلاثا، بخلاف الفجر فإنها لا تنقص عنه اثنتين، بل يصلها الإمام اثنتين واحدة بطائفة، وأخرى بأخرى فقط أو تزيد كل طائفة ركعة وحدها، فقد خصت بعدم هذا التقصير عن المغرب أيضا ولأنها فى وقت مشقة لبرد الشتاء وطيب النوم فى الشتاء، وفى الصيف فتور الأعضاء وكثرة النعاس وغفلة الناس عنها، فخصت من العموم بأنها معرضة للضياع، ولقوله تعالى { وقوموا لله قانتين } والقنوت طول القيام، ولا صلاة من الخمس تساوى الفجر فى كثرة القراءة، ولتخصيصها بالذكر فى قوله تعالى
وقرآن الفجر
أى صلاة الفجر، وقوله
إن قرآن الفجر كان مشهودا
صفحة غير معروفة