{ يوم } ظرف لمحذوف أى يقع البعث يوم أو هو واقع يوم أو يتعلق بمحذوف خبر لمحذوف، أى هو ثابت يوم جوابا لقولهم متى هو، هذا ما ظهر لى من الأوجه وأجاز بعضهم أن يكون بدلا من قريبا على أن قريبا ظرف، وظاهر عدم عرض القاضى وغيره له أنه يتعلق بيكون أو بقريبا ولا يحسن ذلك لضعف المعنى عليه. { يدعوكم } أى ينفخ إسرافيل فى الصور إلى الموقف فى الشام أو يقدر مضاف أى يدعوكم داعيه وهو إسرافيل { فتستجيبون } تجيبون دعاءه ولا تمتنعون فتحضرون إلى الموقف من قبوركم للحساب والجزاء ويجوز أن يكون الدعاء والاستجابة كناية عن البعث والانبعاث أو استعارة لذلك تنبيها على سرعة ذلك وتيسره كأنه قولك يا زيد وقول زيد لبيك { بحمده } حال أى ملتبسين بحمده على كمال قدرته. قال ابن جبير جميع العالمين يقومون وهم يحمدون الله ويمجدونه لما يظهر لهم من قدرته وظاهر كلامه أن الخطاب بجملة الناس وهو محتمل والظاهر أنه لمنكرى البعث ويحتمله كلام ابن جبير بأن عمم فى كلامه لمجرد الإخبار بالواقع لا تفسيرا للآية بالعموم، قيل إن الناس ينفضون التراب عن رءوسهم حين البعث. قال ابن جبير يقولون سبحانك اللهم وبحمدك. وقال ابن عباس بحمده بأمره، وقيل بطاعته. وقال الحسن بمعرفته. وقيل بإقرار أنه خالقهم وباعثهم وذلك حمد واعتراف حين لا ينفعهم ويجوز أن يكون المعنى بانقياد لبعثه مع كرههم له انقياد الحامد على الشئ المحب هو له وهذا مبالغة فى الانقياد بعد الإباء كقولك لمن تدفعه إلى السجن ويمتنع ستدخله حامدا أى تدخله قهرا وتنقاد له كأنه أمر محبوب عندك، وقيل الخطاب للمؤمنين يبعثون حامدين لربهم، وقيل بحمده خبر المحذوف هو من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أى ذلك بحمد الله على صدق خبرى { وتظنون } بعد البعث. { إن لبثتم } أى ما لبثتم فى قبوركم أو فى الدنيا. { إلا قليلا } زمانا قليلا أو لبثا قليلا استقصروا مدة لبثهم فى ذلك كأنها يوم أو بعض يوم لما يرون من هول القيامة. قال قتادة تحاقرت الدنيا فى أنفسهم حين عاينوا الآخرة حتى سرى التحقير إلى مدتها أو حبا لحياتها السالمة من هول القيامة. فقللوا مدتها لأن أيام الرخاء قصار تمر والإنسان غافل كأنها ساعة، وقيل تقليلها بالنسبة إلى الخلود لأنهم لما بعثوا تيقنوا أن الخلود الموعود به لهم حق والظن هنا بمعنى اليقين، وقيل على بابه وأنهم شكوا فى قلة اللبث فى القبر ورجوه لأن من فى الآخرة قبل البعث كالنائم لا يحقق المدة إلا بأمر خارج.
[17.53]
{ وقل لعبادى } المؤمنين { يقولوا } للمشركين { التى هى أحسن } كلمة الحق التى هى حسنة أو أحسن من غيرها لا خشونة فيها لتكون أقرب إلى القبول مثل أن يقال إن الله جل وعلا هو المنعم الخالق وهو المستحق للعبادة، ومثل أن يقال ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم وإن يشأ يعذبكم، وقد قيل إن قوله ربكم أعلم.. الخ. تفسير وتمثيل للتى هى أحسن وما بينهما اعتراض ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإن ذلك يهيجهم على الشر مع أنه لا يدرى بم يختم لهم، أمروا بالإنة القول للمشركين حين كانوا بمكة، وذلك أمر مستمر لأنه أدعى للقبول الذى هو المراد، وقيل نسخت بآية السيف وآية التغليظ، وقيل كان المشركون يؤذنون المسلمين، فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله الآية أى قل لهم يقابلوا خشونة المشركين باللين مثل أن يقولوا سلاما، ومثل يهديك الله، ومثل هذا عندى جائز لأنه دعاء لله أن يرشدهم إلى ما أمر به أن يدعوا إليه وهو الإسلام وذلك قبل الإذن بالقتال، ومن ذلك يقولون يرحمكم الله أى بالهداية للإسلام أو برحمة الدنيا، وقيل نزلت فى عمر بن الخطاب رضى الله عنه شتمه مشرك فأمر الله بالعفو، وقل إن الآية فيما بين المؤمنين أمرهم الله أن يحفظوا الجناح ويتأدبوا فيما بينهم، وقل العباد جميع الخلق والتى هى أحسن هى لا إله إلا الله. { إن الشيطان ينزغ } وقرأ طلحة بكسر الزاى يهيج المراء والشر والعناد وازدياد الكفر { بينهم } بتخشين القول إذا خشنوه { إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا } ظاهر العداوة فى أمر الدين والاخرة لا يألو جهدا.
[17.54]
{ ربكم أعلم بكم إن يشأ } رحمتكم. { يرحمكم } بالهداية إلى الإيمان { أو إن يشأ } تعذيبكم. { يعذبكم } بأن يميتكم على الكفر فيعذبهم عليه، وقيل الخطاب للمؤمنين إن يشأ يرحمكم بالتنجية من أهل مكة، وإن يشأ يعذبكم بتسليطهم عليكم وهذا ضعيف، والصحيح الأول وعليه ابن جرير الطبرى وغيره. { وما أرسلناك عليهم وكيلا } حفيظا تجبرهم على الإيمان بل مبشرا ومنذرا فدارهم ومر أصحابك بالاحتمال منهم، وقيل وكلا بمعنى موكولا إليك أمرهم تقهرهم على الإيمان فكان الحذف والإيصال، قيل هذا منسوخ بآية السيف.
[17.55]
{ وربك أعلم بمن فى السموات والأرض } أى بأحوال من فيهن وبمن يتأهل للنبوة وذلك رد على قريش فى استبعادهم أن يكون يتيم أبى طالب - صلى الله عليه وسلم - نبيا وأن يكون العراة الجوع أصحابه كصهيب وبلال وخباب وغيرهم دون أن يكون ذلك فى أكابرهم وأشرافهم { ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض } بالخصال الدينية الراسخة فى نفوسهم والإخلاص عن علائق الجسم الدنية وبالكرامات كموسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، ومحمد بالإسراء التام والمحبة لا بكثرة المال والأتباع وعظم الملك، حتى داود وابنه سليمان فإن شرف داود بالزبور وشرف ابنه بالخضوع الموضوع فى قلبه إلا بالملك، وقيل المراد التفضيل بالنعم الدينية والدنيوية والجسمية لتأهلهم لها فيدخل فى ذلك خلق عيسى بلا أب وإبراؤه الأكمه والأبرص وإحياءه الموتى بإذن الله سبحانه وإيتاء سليمان ملكا لا ينبغى لغيره، وقيل إن ذلك تلويح وإشارة إلى تفضيل سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وقوله { وآتينا داود زبورا } بيان لتفضيله بأن أوتى داود كتابا عظيما تضمن أنه آخر الأنبياء وخيرهم وأمته خير الأمم، وأنهم عباد صالحون يرثون الأرض، ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون، وخص داود بالذكر لأنه أعطى الملك مع النبوة والزبور ليذكره بالكتاب تنبيها على أن التفضيل بالدين لا بالدنيا ولأنه ذكر فى الزبور أن محمدا خاتم النبيين وغير ذلك مما مر، ولأن اليهود زعمت أنه لا نبى بعد موسى، ولا كتاب بعد التوراة فكذبهم الله عز وجل أن داود رسول الله وأنه أنزل عليه الزبور وأن محمد رسول وذكره فيه ولم يبعد أن يفضل الله الرحمن الرحيم محمدا - صلى الله عليه وسلم - على جميع الخلائق، فضل الله يؤتيه من يشاء وتنكير زبور للتعظيم بناء على أن ال فى الزبور للتعريف وإن قلنا إن زبورا علم بدون ال، قال فيه إذا دخلته للمح الأصل، لأنه فى الأصل اسم جنس فكل كتاب زبور فهو كالنعمان ونعمان ولأنه فى الأصل وصف بمعنى مفعول كحلوب بمعنى محلوبة وركوب بمعنى مركوبة فهو كالعباس، وعباس أو لأنه مصدر كالفضل وفضل فيكون فى الأصل من المصادر المفتوحة، الأول على وزن فعول كالقبول، ويؤيده قراءة حمزة بالضم، أو نكرة للتبعيض وخص بعضه بالذكر لأنه البعض المذكور به نبينا - صلى الله عليه وسلم - أو سمى ذلك البعض باسم الكتاب كما يسمى بعض القرآن قرآنا. قال قتادة الزبور مواعظ ودعاء، عمله الله لداود - كما ذكره الشيخ هود - وثناء على الله سبحانه وتمجيد ليس فيه حلال وحرام وفرائض وحدود وأحكام وهو مائة وخمسون سورة.
[17.56]
{ قل ادعوا } اطلبوا فى كشف الضر عنكم وتحويله. { الذين زعمتم } أنهم آلهة. { من دونه } من دون الله عز وجل كالملائكة والأصنام والمسيح وعزير ومريم والشمس والقمر والنجوم والجن فالتعبير بصيغة العقلاء كالذين ويستطيعون ونحوهما مما يأتى تغليب للعقلاء من ذلك أو تنزل لغير العقلاء من ذلك منزلة العقلاء عندهم. وقال ابن عباس ليست الآية فى عبادة الأصنام بل فى عبادة من يعقل كموسى وأمه وعزير، وفى رواية عنه هم عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم وعن الحسن الملائكة وعيسى، روى أن المشركين أصابهم قحط أكلوا به الخيف فاستغاثوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - ليدعوا لهم. فقال الله عز وجل { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه }. { فلا يملكون } لا يستطيعون { كشف } إزالة. { الضر } الجوع والقحط والمرض والعذاب. { عنكم ولا تحويلا } له منكم إلى غيركم أو ولا تحويلا للحال من العسر إلى اليسر..
[17.57]
صفحة غير معروفة