{ وقضينا إلى بنى إسرائيل } أى عليهم فإلى بمعنى على { فى الكتاب } اللوح المحفوظ وذلك لا ينافى الخطاب ويعد خلافا لبعضهم الجواز، كتبت عليه أن قم ونحوه مما فيه خطاب وغيبة والجواز كون ذلك التفاتا إلى الخطاب فالأصل فيما بعد ذلك هو الغيبة لكن إنما يتم هذا إذا خرجناه على مذهب السكاكى فى الالتفات وعلى أن المكتوب فى اللوح المحفوظ ليفسدن أو يفسدون ونحو ذلك من ألفاظ الغيبة ويجوز أن يضمن قضينا معنى أوجبنا فعدى بإلى فيكون الكتاب التوراة أى أثبتنا الموحى فى التوراة وقطعناه فيها { لتفسدون } بالمعاصى أى والله لتفسدن وجملة القسم المحذوف وهذا الجواب المذكور مفعول لقضينا لأن فيه على كل حال معنى القول أو لتفسدن جواب لقضينا إجراء له مجرى القسم وقرئ لتفسدن بالبناء للمفعول وقرئ بفتح التاء من فسد { فى الأرض } أرض الشام أو حقيقة الأرض والمراد الشام { مرتين } أى وقتين وهو ظرف متعلق بتفسد أو مفعول مطلق على حذف مضاف أى إفساد مرتين أو على استعماله بمعنى إفسادتين { ولتعلن } الأصل تعلوونن بضم اللام والواو وبعدها حذفت ضمة الواو لثقلها، فالتقت ساكنة مع واو الجماعة فحذفت ثم حذفت نون الرفع لئلا تتوالى نونان فالتقت واو الجماعة ساكنة مع النون المدغمة، والمراد بالعلو كبرهم عن طاعة الله وعلى الناس وظلمهم الناس { علوا كبيرا } عظيما والمرة الأولى مخالفة أحكام التوراة وقتل شعياء وأرمياء والمرة الثانية قتل زكريا ويحيى وقصد قتل عيسى عليه السلام وقيل الأولى قتل زكريا وحبس أرمياء حين أنذرهم سخطا لله عز وجل والثانية قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى عليه السلام.
[17.5]
{ فإذا جاء وعد أولاهما } أى وعد عقاب أولى المرتين أى الأولى منهما والوعيد بمعنى العقاب نفسه فإن الوعد يستعمل بمعنى الإخبار بالخير أو الشر بمعنى نفسه الخير أو الشر وأصله الأول واعلم أن أولى مؤنث اسم تفضيل بوزن فعلا بألف التأنيث وضم الفاء وإسكان العين فالواو مدة للهمزة فالهمزة تمد بها، والمرة الأولى هى ما ذكرناه آنفا { بعثنا عليكم عبادا } وقرئ عبيدا وأكثر ما يقال عباد الله وعبيد الناس { لنا } نعت لعبادا وهم على الأصح بخت نصر وجنوده وهو عامل لهراسف وقيل جالوت الخزرى وجنوده وهو الذى قتله داود والخزرى نسبة إلى الخزر، وهو ضيق العين وصغرها أو جيل من الناس وقيل سنجاريب وجنوده. وروى القول الثانى عن ابن عباس وسنجاريب فيما قيل هو ملك بابل من أهل نينوى والقول الأخير روى عن ابن إسحاق وابن جبير واختاره الزمخشرى { أولى بأس } بطش { شديد } فى الحرب أو البأس هو نفس الحرب { فجاسوا } طافوا وترددوا للقتل والغارة طالبين لذلك { خلال الديار } وسط الديار بين دار أخرى ووسط كل الدار قتلوا كبارهم وسبوا سبعين ألفا من صغارهم وأحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس. وقرأ أبو السماك فحاسوا بالحاء المهملة، والمعنى واحد ولله أن يسلط الكفرة على قتل المسلمين وسبى صغارهم وغنم ما لهم وإحراق كتابهم وتخريب المسجد، وذلك لحكمة استأثر الله جل وعلا بها ويعاقب الكفرة بذلك لأنهم فعلوا باختيارهم وإن شئت فعل ذلك تخلية لهم منه وعدم منع، والعبارة الأولى أنسب بقوله بعثنا { وكان } وعد أولاهما أو كان بعثنا العباد عليهم أو كان جوسهم خلال الديار والمعنى واحد { وعدا مفعولا } لا بد أن يفعل.
[17.6]
{ ثم رددنا لكم الكرة } الدولة سميت كرة لأنهم يكرون بها أى يرجعون بها إلى ما كانوا فيه { عليهم } أى على الكفرة الذين بعثوا عليكم وذلك حين تبتم عن الفساد والعلو. روى أن الله الرحمن الرحيم ألقى شفقة عليهم فى قلت بهمز راسفيديار لما ورث الملك من جده كشتاسف بن الهراس فرد أسراهم إلى الشام وملك ذانيال عليهم فاستولوا على من كان فيها ممن أتى بخت نصر، وقيل تلك الكرة هى تسليط داود على جالوت حتى قتله، ولفظ رددنا ماض ومعناه مستقبل وذلك لعطفه على بعثوا الواقع جوابا للشرط بل على جاسوا المعطوف عليه وإن استؤنف بناء على جواز ثم للاستئناف فالتعبير للمضى لأن رد الكرة واقع بعد لا محالة فكأنه واقع { وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا } منهم أو مما كنتم عليه والنفير من ينفر مع الرجل من قومه إلى العدو وقيل جمع نفر وفسره بعضهم بالعشيرة وبعض بالعدد.
[17.7]
{ إن أحسنتم } الخ. من جملة ما قضى الله جل جلاله إلى بنى إسرائيل فإن الكلام كله إلى حصيرا داخل تحت قوله عز وجل وقضينا إلى بنى إسرائيل وقدر بعضهم القول أى وقلنا لهم إن أحسنتم باتباع الأوامر واجتناب المناهى { أحسنتم لأنفسكم } لأن ثواب ذلك لكم { وإن أسأتم } بترك الأوامر وارتكاب النواهى { فلها } أى فإساءتكم لأنفسكم لأن عقاب ذلك عليها واللام بمعنى على وعبر بها ليزدوج بقوله لأنفسكم أو هى لام استحقاق أى كنتم أهلا للعقاب. قال على بن أبى طالب ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه وتلا الآية { فإذا جاء وعد الآخرة } أى المرة الآخرة أى عد عقوبة المرة الأخيرة أو الوعد بمعنى العقاب أى عقاب المرة الآخرة وقد مر بيانها وجواب إذا محذوف تقديره بعثناهم عليكم يدل عليه الأول أو سلطنا عليكم الفرس والروم وبذلك المحذوف يتعلق قوله { ليسوءوا وجوهكم } أى ليجعلوها سيئة بادية عليها آثار الحزن والهم، وذلك فرع إدخال الحزن والغم فى قلوبهم فكأنه قيل ليغموكم ويحزنوكم وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر ليسيئ الياء وكسر السين وفيه ضمير مستتر عائد إلى الله جل جلاله على أن يقدر الجواب سلط الله عليكم أو بعث الله عليكم وإما على تقدير سلطنا أو بعثنا فعلى طريق الالتفات أو عائد البعث أو الوعد وتؤيد قراءة الكسائى لنسوء بالنون مفتوحة عوده إلى الله سبحانه وتعالى، وقرأ على ليسؤن بفتح اللام والياء وضم السين ممدودة بواو بعدها همزة بعدها نون التوكيد خفيفة قرأ بعضهم كذلك لكن بتشديدة وقرأ بعض كذلك لكن بنون المتكلم أولا ونون التوكيد الخفيفة آخرا وبعض كذلك بالنون أولا لكن بالنون الخفية آخرا، ووجه فتح اللام فى هذه القراءة أن الجملة جواب لقسم مقدر قيل إذا مستغنية عن جواب إذا فوالله إذا جاء وعد الآخرة ليسوءن، أو يقدر جواب إذا مثلها بلا لام ولا توكيد أو الجملة جواب لقسم مقدر بعد جواب إذا المقدر من جنس جواب إذا الأولى واللام فى قراءة الكسر لام تعليل كما علمت وهو الواضح وقيل لام الأمر وهو ضعيف هنا لتنافر غيبة المأمورين مع خطاب المخاطبين وكذا القولان فى اللامين بعد، { وليدخلوا المسجد } عطف على ليسوءوا والمراد بالمسجد بيت المقدس ونواحيه { كما دخلوه أول مرة } أى وقت إفسادهم الأول وكلا الدخولين لتخريب المسجد، { وليتبروا } أى يهلكون فالتشديد للتعدية يقال تبر بالتخفيف بمعنى هلك وتبره بالتشديد بمعنى أهلكه وإن جعلناه من تبر المخفف المتعدى كان التشديد للتأكيد ومن المخفف المتعدى لفظه متبورا فإنه اسم مفعول تبر الثلاثى وفيه ضمير مستتر، { ما علوا } ما اسم وهو مفعول يتبروا والرابط محذوف أى وليتبروا ما علوه أى ما غلبوه واستعلوا عليه من بنى إسرائيل وأموالهم وبلادهم أو ظرفية مصدرية والمفعول محذوف أى وليتبروا كل شئ سلطوا عليه ما داموا غالبين { تتبيرا } إهلاكا.
[17.8]
{ عسى ربكم أن يرحمكم } بعد المرة الثانية فيرد دولتكم إن تبتم. قال فى عرائس القرآن قال محمد ابن اسحاق بن بشار وغيره من أهل الأخبار كانت بنو إسرائيل يرتكبون الأحداث والذنوب بعد موسى عليه الصلاة والسلام، وكان الله سبحانه يتجاوز عنهم ويحسن إليهم وكان أول ما نزل بهم لذنوبهم ملكا منهم يدعى صديقه، وكان الله إذا ملك عليهم ملكا بعث معه نبيا يسدده ويرشده ولا ينزل عليهم كتابا إنما يؤمرون بأحكام التوراة فبعث الله عز وجل شعياء بن أمضياء يسدد ويرشد صديقه، وشعياء هذا هو الذى بشر ببيت المقدس حين شكا الخراب، فقال أبشرى سيأتيك راكب الحمار ومن بعده صاحب البعير وصاحب الحمار هو سيدنا عيسى وصاحب البعير وسيدنا محمد - صلى الله عليهما وسلم - وكان شعياء قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى عليهم السلام وبقى الملك لصديقه وشعياء يرشده ولما عظمت فيهم الأحداث بعث الله عليهم سنجاريب ملك بابل معه ستمائة ألف راية فنزل بيت المقدس وقد هابهم الناس وفروا منهم فكبر ذلك على الملك وهو مريض فى ساقه قرحة، فقال لشعياء يا نبى الله هل أتاك وحى من الله تعالى فيما حدث فتخبرنا كيف يفعل الله بنا وبسنجاريب وجنوده. فقال لا، فبينما هم كذلك إذا أوحى الله إلى شعياء عليهم السلام أن ائت ملك بنى إسرائيل فمره أن يوصى بوصيته ويستخلف على أهل مملكته من يشاء من أهل بيته وعشيرته ومراد الله سبحانه وتعالى بذلك بيان أن الاجل كأنه قد حضر ولو طال وبقيت له خمس عشرة سنة وبيان نعمة الله عليه إذ أنجاه وجنوده من سنجاريب، كان كمن حضره الموت يقينا فنجى منه وإلا فقد بقى من أجله خمس عشرة سنة، والمراد أن عمره قسمان قد انقضى القسم الأول وبقى القسم الثانى الذى زاده الله لدعائه وتضرعه الذى أذكره فيما بعده بقليل، وهذا القسم الثانى قضاه الله فى الأزل وعلم به أيضا والله أعلم، فأتى شعياء صديقه فأخبره بذلك فاستقبل القبلة يصلى وبكى ودعا وقال فى دعائه وهو يبكى اللهم رب الأرباب إله القدوس المتقدس، يا رحمن يا رحيم، يا رءوف الذى لا تأخذه سنة ولا نوم، اذكرنى بعملى وفعلى وحسن قضائى، وذلك كله كان منك وأنت أعلم به منى، سرى وعلانيتى لك. فأوحى الله جل جلاله إلى شعياء أن خبر صديقه أنى استحييت له ورحمته وأخرت أجله خمس عشرة سنة وأنجيته من عدوه سنجاريب فأخبره بذلك شعياء عليه السلام، ومعنى أخرت أجله أى قضيت له فى الأزل خمس عشرة سنة يعيشها بعد هذه المدة التى هى فى صورة حضوره الموت، فلما أخبره ذهب عنه الحزن والوجع وخر لله ساجدا، وقال يا إلهى وإله آبائى لك سجدت وسبحت وكرمت وعظمت، أنت الذى تعطى الملك لمن تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء عالم الغيب والشهادة الأول والآخر والظاهر والباطن، وأنت ترحم وتجيب دعوة المضطرين، أنت الذى أجبت دعوتى ورحمت تضرعى، فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعياء أن قل للملك صديقه يأمر عبدا من عبيده فيأتيه بالتين ويجعله على قرحته فيبرأ ففعل ذلك وبرئ، وقال الملك لشعياء سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعد فينا.
قال الله تعالى لشعياء قل له إنى قد أكفيتك عدوك وأنجيتك منهم وأنهم سيصبحون موتى كلهم إلا سنجاريب وخمسة نفر من كتابه، فلما أصبح جاء صارخ يصرخ على باب المدينة يا ملك بنى إسرائيل قد كفاك الله عدوك فاخرج إن سنجاريب ومن معه قد هلكوا فخرج الملك فالتمس سنجاريب فلم يجده فى الموتى فبعث فى طلبه فأدركه الطلب فى مغارة وخمسة من كتابه أحدهم بخت نصر فجعلهم فى الجوامع أى فى القيود والسلاسل ثم أتوا بهم الملك، فلما رآهم خر لله تعالى ساجدا من حيث طلعت الشمس إلى العصر ثم قال لسناجريب كيف ترى فعل الله بكم ألم يغلبكم بحوله وقوته ونحن وأنتم غافلون؟ فقال سنجاريب قد أتنى خبر ربكم ونصره إياكم قبل أن أخرج من بلادى فلم أطع مرشدا فلم يلقنى فى الشقوة إلا قلة عقلى ولو سمعت أو عقلت ما غزوتكم، ولكن الشقوة غلبت على وعلى من معى فقال صديقه الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذى كفاناكم بما شاء، إن ربنا لم يبقك ومن معك لكرامتك ولكنه إنما إبقاك لتزدادوا شقوة فى الدنيا وعذابا فى الآخرة ولتخبروا من وراءكم بما رأيتم من فعل الله، ودمك ودم من معك أهون عند الله من دم قراد لو قتلت، ثم إن ملك بنى إسرائيل أمر أمير جيشه فقذف فى رقابهم الحال وطاف بهم سبعين يوما حول بيت المقدس وإيلياء وكان يرزقهم فى كل يوم خبزتين من شعير لكل رجل منهم، فقال سنجاريب لملك بنى إسرائيل القتل خير مما يفعل بنا فافعل ما أمرت فأمر بهم إلى السجن حتى يخرجهم إلى القتل فأوحى الله تعالى إلى شعياء أن قل لملك بنى إسرائيل يرسل سنجاريب ومن معه لينذروا من وراءهم ويكرمهم ويحملهم حتى يبلغوا بلادهم، فبلغ شعياء ذلك فخرج سنجاريب ومن معه حتى قدموا بابل، فلما قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده، فقال له سحرته يا ملك بابل قد كنا نقص عليك خبرهم وخبر نبيهم ووحى الله إليهم فلم تطيعونا وهم أمة لا يستطيعها أحد من ربهم وكان ذلك آية وعبرة ومات سنجاريب بعد ذلك بسبع سنين واستخلف بخت نصر وكان ابن ابن له، وكان بخت نصر يعمل كما يعمل جده ويقضى بقضائه فلبث سبع شرة سنة ثم قبض الله ملك بنى إسرائيل صديقه فمرج أمر بنى إسرائيل وتنافسوا الملك حتى قتل بعضهم بعضا وظهر فيهم الفاسد ونبيهم شعياء ينهاهم عن ذلك ولا يرجعون إليه ولا يقبلون منه فلما فعلوا ذلك، قال الله تعالى لشعياء عليه السلام قم فى قومك فأوحى على لسانك فلما قام فيهم أنطق الله لسانه بالوحى فقال يا سماء اسمعى ويا أرض أنصتى فإن الله يريد أن يقص شأن بنى إسرائيل الذين أنعم الله عليهم بنعمته واصطفاهم لنفسه وخصهم بكرامته وفضلهم على عباده واستقبلكم بالكرامة وهم كالغنم الضائعة لا ارعى لها فآوى شاردها وجمع ضالتها وجبر كسيرها وداوى مريضها وسمن مهزولها وحفظ سمينها فلما فعل ذلك بطرت وتناطحت كباشها فقتل بعضها بعضا حتى لم يبق فيهم عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير، فويل هذه الأمة الخاطئة الذين لا يريدون ما جاءهم من الخير وهم أولو الألباب والعقول ليسوا ببقر ولا حميرا إنى ضارب لهم مثلا فليسمعوه قل كيف ترون أرضا مواتا لا عمران فيها وكان لها رب حكيم فأقبل عليها بالعمارة يكره أن تخرب أرضه فأحاط عليها جدارا وشيد فيها قصرا وأنهر فيها نهرا وصنف فيها غرسا من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب وأنواع الثمار كلها وولى عليها واستحفظ ذا رأى وحكمة حفيظا قويا أمينا وانتظرها فلما أطلعت جاء طلعها خروبا فقالوا بئست الأرض هذه نرى أن نهدم جدارها وقصرها وندفن نهرها ونقطع قيمها ونحرق غرسها حتى تصير كما كانت أول مرة خرابا مواتا لا عمران فيها.
صفحة غير معروفة