فى شأن مكة والحرم بدعوة إبراهيم وارزقهم من الثمرات، { فكفرت بأنعم الله } جمع نعمة بإلغاء التاء فى المفرد كدرع وأدرع وجمع نعم بضم فإسكان كبؤس وأبؤس { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } فالخوف بالسنين التى دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم إذا قال
" اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف عليه السلام "
حتى اكلوا العظم المحرق والجيفة والكلب والوبر المعالج بالدم. يرى أحدهم الجو كالدخان من الجوع وقالوا إن زال ذلك عنا آمنا . فزال فلم يؤمنوا وذلك قبل الهجرة وقيل إنه بعدها وأنه أمر أيضا بقطع الميرة عنهم فأرسل إليه رؤساء مكة عاديت الرجال فما بال النساء والصبيان فأذن للناس فى حمل الطعام إليهم وأما الخوف فعلى أن ذلك قبل الهجرة فبغير رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعدها فسراياه التى تغير وتقتل بقتال بدر وقد علمت أن بعضا يقول القرية غير مكة، وإن قلت ما وجه لباس الجوع والخوف قلت رويت عن شيخنا الحاج إبراهيم بن يوسف حفظه الله فى شرح السمرقندية وغيره عند قراءتى عليه قراءة تحقيق أنه شبه النحافة واصفرار اللون من جوع وخوف باللباس بجامع الاشتمال فإن النحافة والاصفرار يشتملان على الحسد كاشتمال اللباس عليه فاستعير لهما لفظ اللباس استعارة أصلية تحقيقية تصريحية وشبه ما يدرك من الألم بالطعم المر بجامع الكراهة، تشبيها غير مصرح به فيكون لفظ اللباس استعارة مكية على مذهب السكاكى فقد اجتمعت المصرحة والمكنية، وأما على مذهب السلف فالمكنية هى لفظ المشبه به غير المذكور، وأما على مذهب الخطيب القزوينى فالمكنية التشبيه المضمر وإثبات الإذاقة للباس بطريق النسبة الإيقاعية تخييل فقد اجتمعت المصرحة والمكنية والتخييلية، وأعلم أنى قد أطلق النسبة الإيقاعية على نفس وقوعه الفعل على المفعول، وقد أطلقها على نفس صدور الفعل المتعدى لفظه وقوله أذاق بمنزلة الأظفار للمنية فلا يكون ترشيحا وكلام الكشاف مشعر بأنه لفظ اللباس استعارة تحقيقية ويحتمل أن يكون عقلية، ويحتمل أن يكون حسية لأنه قال شبه ما غشى الإنسان وألبس به من بعض الحوادث باللباس لاشتماله على اللابس والحادث الذى غشيه يحتمل أن يريد له الضرر الحاصل من الجوع، فيكون عقلية وإنما يريد به امتقاع اللون ورثاثة الهيئة، قال نظر هنا إلى لفظ المستعار له فعبر بالإذاقة ولو نظر إلى لفظ المستعار لقال فكساهم لباس الجوع والخوف، وذكر القاضى وغيره أن الذوق مستعار لإدراك أثر الضرر واللباس للجوع والخوف مشتملين على الإنسان وذكر الإذاقة نظرا للمستعار له كقول كثير
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المال
فإنه استعار الرد المعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه، وأضاف إليه الغمر الذى هو وصف المعروف والنوال غمر الرداء كناية عن كثرة العطاء والغلق بالمعجمة الاستحقاق أى إذا ضحك المسئول ضحكة أيقن السائل أنه بذلك التبسم استغلق رقاب ماله ولو نظر إلى المستعار لقال سابغ الرداء وقد ينظر إلى المستعار كقوله
أينازعنى ردائى عبد عمرو رويدك يا أخا عمرو بن بكر لى الشطر الذى ملكت يمينى ودونك فاعتجر منه بشطر
استعار الرداء لسيفه فقال فاعتجر نظر إلى المستعار ولو نظر إلى المستعار له لقال فاقتطع منه بشطر والاعتجار بالراء المهملة لف العمامة على الرأس أى يجاذبنى سيفى عبد عمر ويريد أن يأخذه منى فقلت رويدك فلى النصف الأعلى الذى هو فى يمينى وخذ أنت النصف الآخر منه فلفه على رأسك ويجوز فى الآية أن يقال أن المذوق هو العظام فلما فقد صاروا كأنهم يذوقون الجوع، وأن يقال ذلك أن الجوع شديد كأنه أحاط بهم من كل جهة إحاطة اللباس وأن يقال معناها عرفها الله أثر الجوع والخوف، يقال ناظرنى فلان وذقت ما عنده أى عرفته وأن يقال أمنها الله أثر الجوع والخوف، وقرأ بعضهم لباس الخوف والجوع بتقديم الخوف وقرأ بعضهم لباس الجوع والخوف بنصب الخوف أى ولباس الخوف، فحذف المضاف وناب عنه المضاف إليه { بما كانوا } ما مصدرية أى بكونهم { يصنعون } من الكفر والظلم والمعاصى أو بمعنى الذى أى بما كانوا يصنعونه من ذلك تعوذ بالله من مفاجأة النقمة والموت على الغفلة كما فعل بهم وذكره فى قوله عز وجل { ولقد جاءهم رسول منهم }
[16.113]
{ ولقد جاءهم } أى أهل تلك القرية المضروب بها المثل مكة أو غيرها { رسول منهم } من أهل تلك القرية يعرفون نسبه وصدقه سواء قلنا إنه رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم أو غيره من الرسل قبله إلى غير أهل مكة، وقيل الكلام هنا عائد إلى أهل مكة ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذكر مثلهم { فكذبوه فأخذهم العذاب } الجوع والخوف وقيل القتل يوم بدر وقيل الجوع ويوم بدر ونحو ذلك إن كانت الآية مدنية وإن كانت مكية فالجوع فقط قيل والأول أولى { وهم ظالمون } أى حال التباسهم بالظلم وعدم إقلاعهم عنه والظلم كفر والمعاصى لما وعظ أهل مكة بما ذكر من حال القرية وما وقع بها لسوء صنيعها وكفرها وصل ذلك بالفاء فقال { فكلوا مما رزقكم الله حلالا }.
[16.114]
صفحة غير معروفة