، وقيل كل ما وجب على الإنسان من الفرائض ويرده قوله تعالى { إذا عاهدتم } لأن ما وجب عليه لا يشترط فيه معاهدته بل لزمه فعله عاهد أو لم يعاهد لكنه يصح أن يقال إذا دخلتم فى الدين فدوموا فيه ولا تخرجوا منه ولا من جزء آياته فيصح معنى الآية ولو فسر بذلك القول { ولا تنقضوا الأيمان } جمع يمين وهو الحلف، { بعد توكيدها } أى توثيقها بالله وتشديدها والمراد مطلق اليمين أو يمين البيعة ونقضها تركها والحنث فيها وهذا يشير إلى أن العهد غير اليمين وإلا كان هذا تأكيدا لذاك وتأسيس أولى من التأكيد ووكد وأكد نعتان، الأصل الواو والهمزة بدل منها. { وقد جعلتم الله عليكم كفيلا } مشاهدا على يمينكم وعهدكم فإن الكفيل مراع الحال المكفول به رقيب عليه ومعنى جعلهم إياه كفيلا حلفهم به ومعاهدتهم به والجملة حال من واو أوفوا أو واو وتنقضوا وقيل جعلتم الله كفيلا لكم بالجنة إن تمسكتم بعهده الذى هو دينه وباليمين عليه، { إن الله يعلم ما تفعلون } فى نقض اليمين والعهد وفى غيره وذلك تهديد لهم.
[16.92]
{ ولا تكونوا } فى نقض العهد واليمين، { كالتى نقضت غزلها } أى مغزولها فهو مصدر بمعنى اسم مفعول والمراد ضرب المثل لناقض العهد واليمين بأن نقضه لهما كنقض امرأة ما غزلته لو فرضنا أن امرأة غزلت فنقضت غزلها وذلك أنها لم تكف عن الغزل ولما غزلت لم تبق الغزل بحاله بل نقضته، فنهاهم عن نقض العهد الشبيه بذلك. وقال الزمخشرى قيل هى ريطة بنت سعد بن تميم وكانت خرقاء اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل أصبع وفلكة عظيمة على قدرها فكانت تغزل هى وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن. ا. ه. وهو قول الكلبى ومقاتل وذكر أنها من قريش وأن سعد المذكور هو ابن كعب بن زيد مناة بن تيم فالزمخشرى إنما نسبه إلى جده الثانى والخرقاء الحمقاء وهى قليلة العقل وذكر أنها تغزل الصوف أو الوبر أو الشعر هى وجواريها وأن نقض ما غزلت هو دأبها تغزل هى وهن وتأمر بنقض الكل، وقيل امرأة حمقاء من أهل مكة تغزل طول يومها ثم تنقضه، وروى أنها تغزل الشعر، { من بعد قوة } أى من بعد إحكام وإبرام متعلق بنقضت، { أنكاثا } بفتح الهمزة جمع نكث وهو ما ينكث أى يحل من طاقات الجبل أو الغزل بعد الإبرام وهو حال من غزلها أو مفعول ثان لنقضت على تضمينه معنى صيرت { تتخذون } حال من الواو فى ولا تكونوا أو من الضمير المستتر فى قوله كالتى أو خبر ثان المكون أى لا تكونوا ثابتين كهذه المرأة متخذين، { أيمانكم دخلا بينكم } فسادا وهو الخيانة والخديعة بنقض العهد واليمين؟ وأصل الدخل ما يدخل فى الشىء وليس منه أريد به هنا ما يدخل العهد واليمين على سبيل الإفساد وقيل هو إظهار الوفاء وإبطال النقض ولا يصح فى تفسير الآية به إلا على الزيادة على التشبيه فإن تلك المرأة لا تبطن فى حال الاشتغال بالغزل أن تنقضه بل يبدو لها إلا أن ينزل ما يبدو لها من النقض منزلة نقض أبطنته من حيث إن مآلها النقض أو أريد الإبطان الحادث المتصل بالنقض أو كانت تبطن ذلك من أول الأمر، وقال أبو عبيدة كل ما لم يكن صحيحا فهو دخل { أن تكون } أى بأن تكون أو لأن تكون متعلق بتتخذون أو بلا تكونوا وبلا تنقضوا، { أمة } جماعة { هى أربى } أزيد وأكثر، { من أمة } كانوا يعاهدون قوما ويتحالفون معه على السلم والعافية وإذا رأوا قوما أكثروا عظم قوة من ذلك القوم حالفوهم وعاهدوهم وتركوا الأول فإن حاربوا الأول حاربوا معهم وذلك واقع فى قريش يتركون من عاهدوه وحالفوه وينتقلون إلى من هو عدوه إذا كان أكثر وأقوى وواقع إليهم بترك غيرهم من حالفه وعاهده وينتقل إليهم لقوتهم وكثرتهم وواقع فيما بينهم وكذا غيرهم.
{ إنما يبلوكم الله به } أى يختبركم بكون أمة أربى من أمة لينظر أمتمسكون بالوفاء بالعهد واليمين فى بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهدها أم تغترون بكثرة قريش وقوتهم وقلة المؤمنين وضعفهم فالهاء عائدة على مصدر تكون من قوله أن تكون سواء جعلناها تامة وهى أربى نعت أمة أو غير تامة وهى أربى خبر لأن التحقيق أن المناقضة مصدر كالتامة وقيل الهاء عائدة إلى الرباء المفهوم من أربى وهو زيادة أمة على أخرى وقيل إلى الأمر بالوفاء، { وليبينن لكم يوم القيامة } بيانا يتصل به الثواب للمسك والعقاب للناقض { ما كنتم فيه تختلفون } فى الدنيا من أمر العهد وغيره ككفر وإيمان.
[16.93]
{ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } أى متحدة الدين متفقة وهو دين الإسلام بتوفيق الجميع إليه ولكن اقتضت حكمته أن يوفق بعضا ويخذل بعضا أو بالإلجاء والجبر عليه ولكن اقتضت حكمته أن بعضا يعصى باختياره وبعضا يطيع باختياره ليعاقب ويثبت كما قال، { ولكن يضل من يشاء } أى يخذله أى لا يوافقه فيعصى باختياره بعد أن يبين له وليس ذلك جبرا تعالى عنه { ويهدى } يوفق { من يشاء } ولا يسأل عما يفعل، { ولتسألن عما كنتم تعملون } يوم القيامة سؤال تبكيت ومجازاة { عما كنتم تعملون } فى الدنيا.
[16.94-97]
{ ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم } كرر النهى عن اتخاذ الإيمان تأكيدا عليهم ومبالغة فى تقبيح ذلك وتعظيم أمره ولكن بين النهيين مخالفة فالأول بالتضمين والعرض لأنه ذكر اتخاذ الإيمان دخلا فى الكلام الأول بعبارة تجعل حالا مما تسلط عليه النهى كما مر والثانى بالتصريح والذات لإدخال ذات النهى على مادة الاتخاذ وذلك من باب الترقى فمن لم ينتبه بالأول تنبه بالثانى ومن تنبه به ازداد بالثانى ورسخ فيه وقيل الأول فى نقض مطلق العهد والإيمان والثانى فى نقض بيعة الإسلام بعد الدخول فيه والسياق اللاحق أنسب به وهو زلل القدم بعد الثبوت وذوق السواء بالصد عن سبيل الله عز وجل وثبوت العذاب العظيم كما قال. { فتزل } تزلق { قدم } عن طريقة الإسلام الواضحة والمراد فتزل أقدامكم بالجمع والتعريف بالإضافة ولكن أفرد ونكر للدلالة على أن زلل قدم واحدة عظيم فكيف بزلق قدمى الإنسان معا أو على أن من زلقت له قدم واحدة لا ينتفع بالأخرى فى نفس ذلك الزلق فكيف يزلق قدمين أو على أن هلاك الإنسان واحد أمر عظيم فكيف بجمع عظيم. { بعد ثبوتها } على طريقة الإسلام الواضحة شبه الخروج إلى النفاق والشرك عن الإسلام بزلق القدم فى نحو الأرض المبتلة التى تزلق الأقدام والعرب تقول لمن وقع فى بلاء بعد عافية زلت قدمه { وتذوقوا السوء } وقرىء بفتح السين وإسكان الواو حيا أى العذاب فى الدنيا بالقتل والسلب والغنيمة، { بما صددتم } ما مصدرية أى بصدكم أى بإعراضكم وبمنعكم غيركم { عن سبيل الله } الذى هو الإسلام أو الوفاء بالعهد والإيمان ومن نقض عهد الإسلام فقد جعل النقض سنة لغيره { ولكم } فى الآخرة، { عذاب عظيم } على زلل القدم زين الشيطان نعوذ بالله منه لقوم أسلموا بمكة أن ينقضوا عهد الإسلام لجزعهم من غلبة قريش واستضعاف المسلمين وإيذائهم ولما يعدهم قريش على النقض ويوعدونهم على الوفاء فثبتهم الله عز وجل بذلك والله أعلم. قدم وفد كنده وحضرموت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعوه على الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ولم يهاجروا فيما قيل ولعله قبل نزول فرض الهجرة لما ظهر أن المراد لم يهاجروا من بلادهم ثم
" إن رجلا من حضرموت قام فتعلق برجل من كندة يقال له امرؤ القيس. فقال يا رسول الله إن هذا جاورنى فى أرضى فقطع طائفة منها فأدخلها فى أرضه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لك بينة على ما تزعم. فقال له القوم كلهم يعلمون أنى صادق وأنه كاذب ولكنه أكرم عندهم عنى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا امرؤ القيس ما يقول هذا. قال ما يقول إلا الباطل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقم فاحلف بالله الذى لا إله إلا هو، ما له قبلك شىء مما يقال وإنه لكاذب فيما يقول. قال نعم. قال الحضرمى يا رسول الله إنه رجل فاجر لا يبالى بما حلف عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه من قطع مال رجل مسلم بيمين كاذبة أتى الله وهو عليه ساخط، فقام امرؤ القيس يحلف فنزل قوله تعالى { ولا تشتروا بعهد الله } "
أى بالحلف بالله جل جلاله، { ثمنا } عرضا محرما من الدنيا وسماه ثمنا لأنه يكون فى الجملة ثمنا وأشار به إلى الأرض التى اقتطعها امرؤ القيس إشارة وشمل غيرها وفى الآية دلالة على أن كل ثمن يصح تسميته مثمنا من حيث أنه أطلق فى الآية الشراء عليه. { قليلا } أشار إلى أن الدنيا كلها قيل فأيا ما اشترى أحد منها بالعهد فقد اشترى قليلا ولو عظم فى العيون القلوب، { إنما عند الله } من الخير فى الآخرة لمن اتقى الله وفى الدنيا { هو خير لكم } مما تتوصلون إليه باليمين أو غيرها وهو حرام، { إن كنتم تعلمون } تميزون المصالح من المضار وفضل ما بين العوضين. { ما عندكم } من أموال الدنيا. { ينفد } ينقضى، { وما عند الله } فى الآخرة، { باق } لا ينقضى أو ما عنده فى الدنيا باق بمعنى أن خزائنه لا تنفد والجملتان تعليل للحكم السابق، { ولنجزين الذين صبروا } على طاعة الله والمصائب من ضيق العيش وغيره وعن المعاصى وقرأ أبو كثير وعاصم بالنون وكذا روى النقاش عن الأخفش عن ابن ذكوان قال أبو عمرو الدانى هو وهم لأن الأخفش ذكر ذلك عنه فى كتابه بالياء { أجرهم } مفعول ثان على تقدير الباء أو تضمين يجزى معنى يوفى أو يعطى { بأحسن ما كانوا يعملون } أى بحسنه ويعفو عن قبيحه أو يجزيه بأحسنه الذى يكون جزاؤه أعظم شىء فكيف لا يجازيه بحسنه الذى هو دون ذلك فى الجزاء أو يجازيه على حسناته كلها بجزاء أحسنها قيل أو بجزاء أحسن من أعمالهم فقام الأشعث بن قيس فأخذ بمنكب امرىء القيس فقال ويلك يا امرؤ القيس إنه قد نزلت آيتان فيك وفى صاحبك خيرهما له والأخرى لك وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
صفحة غير معروفة