فإن بعضا من الدين مفصل فيه وبعضا مفصل فى السنة وبعضا فى القياس وبعضا بالإجماع وكل من القياس والإجماع مأخوذ من السنة الموكول إليها الأمر فى القرآن فكأنهما مأخوذان من القرآن { وهدى } من الضلالة هدى تسليم وإرشاد فهو يعم الشقى والسعيد. { ورحمة } إنعاما به على الفريقين أيضا وحرمان الشقى إنما هو لتقصيره { وبشرى للمسلمين } خاصة وقيل رحمة لمن آمن به وهم المسلمون وقيل هدى عصمة للمسلمين ورحمة لهم وبشرى لهم وهذا يتم على كون نزلنا مستأنفة.
[16.90-91]
{ إن الله يأمر بالعدل } الإتيان بالقدر الواجب من الطاعات فإن نقص منه كان النقص جورا وهو ضد العدل والجور الميل عن الحق { والإحسان } التأنق فى الواجب والاجتهاد فى تصفيته والنفل هذا ما ظهر لى فى العدل والإحسان. وقال ابن عيينة العدل استواء السر والعلانية والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته وقيل العدل الإنصاف والمساواة فى الأقوال والأفعال والإحسان أن تعفو عمن ظلمك وتحسن إلى من أساء إليك والمنكر أن تسىء إلى من أحسن إليك وقيل العدل التوسط فى الأمور اعتقادا وعملا وخلقا فالاعتقاد كالتوحيد فإنه متوسط بين جحود الله وإشراك غيره به تعالى، وكقولنا بأن المخلوق كاسب لأفعاله والله مقدر وخالق لها فإنه متوسط بين القول بأن المخلوق مجبر على فعله والقول بأنه خالق له والعمل كالتعبد بآداء الواجبات وهو متوسط بين البطالة والترهب وهو خروجك عن المباحات كلها إلا القدر الذى لابد منه خوفا من الله جل جلاله وهذا لا يحسن لهذه الأمة بل لا يجوز لأن منها ترك التزوج اللهم إلا إن جاز لمن قدر عليه فى مثل هذا الزمان والخلق كالجحود فإنه متوسط بين البخل والإسراف وأما الإحسان فاحسان الطاعات بالعدد كإكثار أعدادها كإكثار النفل وكالتقليل منه والتوسط فإنهما زيادة على الفرض فكانا إحسانا من حيث أنهما مزيدان على الواجب وإحسان للطاعة بحسب الإتيان بها على الوجه الأكمل كقوله صلى الله عليه وسلم
" اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك "
والآية دليل على أن النفل مأمور به لكن أمر ندب والمراد مطلق الأمر فى الآية لا يقيد وجوبه ولا يقيد عدمه فلا يلزم استعمال الكلمة فى معنييها أو حقيقتها ومجازها وهو لفظ يأمر وإنما علق الأمر بالفرض والنفل معا المعبر عنهما بالعدل والإحسان لأن الفرض لا بد أن يقع فيه تفريط فيجبره الندب ولذلك قال الربيع عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد بلغنى عن طلحة ابن عبيد الله
" جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوى صوته ولا يفقه ما يقول حتى إذا دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات فى اليوم والليلة قال هل غيرهن؟ قال لا إلا أن تطوع فقال رسول الله صلى الله عيه وسلم وصيام شهر رمضان ثم قال هل على غيره؟ قال لا إلا أن تطوع ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم والزكاة قال هل على غيرها؟ قال لا إلآ أن تطوع. فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلح الرجل إن صدق "
فقيد الفلاح بشرط الصدق والسلامة من التفريط وقال صلى الله عليه وسلم
" استقيموا ولن تحصوا "
أى لن تطيقوا حق الفرض فما ينبغى أن يترك ما يجبر كسر التفريط من النوافل. وعن ابن عباس رضى الله عنهما العدل التوحيد والإحسان أداء الفرائض وعنه الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه وأن تحب للناس ما تحب لنفسك إن كان مؤمنا تحب أن يزداد إيمانا وإن كان كافرا تحب أن يكون أخاك فى الإسلام وعنه الإحسان الإخلاص وقيل العدل الإنصاف والإنصاف أعظم من الاعتراف للمنعم بإنعامه والإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، وقيل العدل فى الفعل والإحسان فى القول فلا تفعل إلا ما هو عدل ولا تقل إلا ما هو حسن { وإيتاء ذى القربى } أى وإعطاء ذى القربى حقه وما يحتاج إليه والمرد صلة الرحم القريبة والبعيدة تصلها بمالك وإن لم يكن فدعاء حسن وتودد بالقول والإعانة قال الحسن حق الرحم أن لا تحرمها ولا تهجر. وذكر بعض أنه كان يقال إن لم يكن لك ما تعطيه فامش إليه برجلك وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم
" أن الرحم معلق بالعرش وليس الواصل بالمكافىء ولكن من إذا انقطعت رحمه وصلها "
صفحة غير معروفة