{ قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم } عند الله أنه أجلك وهو وقت نفخة الموت وهى النفخة الأولى والثانية نفخة البعث وذلك نفختان لا غير وقيل هى الثانية والأولى نفخة الفزع فهن ثلاث والمعلوم عند الله بأنه وقت موت الخلق كلهم أو المعلوم عند الخلق بذلك ولو جهلوا متى هو والذى علمه الله وحده متى هو وإضافته اليوم للوقت أضافت عام لخاص وهى بيانية ويجوز أن يكون يوم غير الوقت بأن يجعل اليوم بمعنى اليوم الدنيوى الذى يقع فيه الموت ويجعل الوقت ما بعده، ويجوز أن يراد باليوم فى المواضع الثلاثة يوم القيامة فعبر أولا بيوم الدين تهديد لإبليس بأنه يوم يجازى فيه، وثانيا بيوم البعث إذ به يحصل العلم بانقطاع التكليف والإياس من التضليل، وثالثا بالمعلوم لوقوعه فى الكلامين، قاله القاضى وإن قلت قد ذكرت أن لا موت يوم البعث وإذ أنظر إلى يوم الوقت المعلوم الذى هو يوم البعث فلا يموت، قلت يحتمل أن يكون يوم الوقت المعلوم وهو يوم القيامة ويوم البعث اسما لوقت موت الناس إلى البعث وما بعد ذلك فيموت أول ذلك مع الخلق ويبعث معهم فى خلال ذلك الوقت فيكون الإنظار إلى آخر أيام التكليف وهو آخر الوقت المتصل بقيام الساعة والغاية خارجة عن المغيبات وليس خطابا لله إياه بلا واسطة منصبا له بل إهانة وإذلال كما يقول اخسئوا فيها ولا تكلمون وانتظاره إياه إلى يوم الوقت المعلوم زيادة فى بلائه وشقاوته لا إكرام له.
[15.39-40]
{ قال رب بما أغويتنى } قال أبو عبيدة وغيره الباء للقسم وما مصدرية وجواب القسم هو قوله، { لأزينن لهم } المعاصى وحب الدنيا، { فى الأرض } أى فى الدنيا وذكرها لأنه حين الخطاب كان فى السماء أى أقسم بإغوائك إياى لأزينن وينعقد القسم باسم الله وصفته نحو والله لأقومن وبعزتك لأقعدن وفى انعقاد القسم بفعله خلاف فقيل ينعقد فتلزم الحانث كفارة مرسلة وقيل لا ينعقد فلا تلزم ويجوز أن تكون الباء سببية والقسم محذوف أى أقسم بسبب إغوائك إياى بك أو بعزتك لأزينن ويجوز أن يكون ذكر الأرض للتعميم فى التزيين أى لأضلن بتزيينى كل من على وجه الأرض من الثقلين لكن لا يؤثر فى بعض، أو ذكرها إشارة إلى أنها دار الغرور كقوله تعالى أخلده إلى الأرض أى يوقع بهم التزيين فى الأرض حتى يختاروها على الآخرة وإشارة إلى أنى قادر على التزيين لآدم فى الجنة وأنه على التزيين لهم فى الأرض أقدر ومعنى إغواء الله إياه خذلانه إياه، ومن قال من المعتزلة لأن العبد خالق لأفعاله وموجد لها يؤول الإغواء بالنسبة إلى الغى أو بالتسمية غاويا أى بما نسبتنى إلى الغى أو بما نسبتنى غاويا كقولك أفسقته أى نسبته إلى الفسق أو سميته فاسقا أو بالتسبب له فى الغواية بأمره إياه بالسجود لآدم عليه السلام وتعتذر المعتزلة وبعض الناس عن إمهال الله إياه مع أنه سبب لزيادة غيه وإغواء بنى آدم بأن الله تعالى قد علم منه وممن تبعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار ولو لم يمهلهم وإن فى إمهاله تعريضا بمن خالفه لاستحقاق مزيد الثواب ، قلنا خالق أفعال العبد هو الله جل جلاله ولا خالق لشىء سواه وله أن يفعل ما يشاء من إرشاد وإضلال وغيرهما من سائر الأفعال وكل ما فعل حكمة، وليس إضلاله جورا لأنه ليس جبرا بل من ضل فقد اختار لنفسه الضلالة { ولأغوينهم } ألقيهم فى الغواية بالوسوسة. { أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } أى الذين أخلصتهم أى اخترتهم لتوحيدك وعبادتك فلا أقدر على إغوائهم ولو تسببت فى إغوائهم جهدى، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو بكسر اللام فى كل القرآن أى الذين أخلصوا أعمالهم لله أو نفوسهم له بأن استعملوها فى العمل الصالح والاعتقاد الحسن. لا يسمى الفعل خالصا إلا إذا كان تاما لله وحده وأخطأ من قال إنه إن كان لله وغيره أثيب عليه أن ترجح جانبه الذى لله.
[15.41]
{ قال } الله عز وجل، { هذا } الإشارة إلى ما تضمنه الاستثناء وهو نجاة المخلصين من إغوائه أو إلى الإخلاص، { صراط } طريق، { على } متعلق بمحذوف نعت لصراط كما قرىء على بكسر اللام وضم الياء منونة أى مرتفع عال علو شرف، { مستقيم } لا عوج فيه نعت ثان لصراط ومعنى كون النجاة أو الإخلاص صراطا على الله أنه حق يراعيه أو حق مسهله لمن يشاء كقوله عز وجل إن علينا للهدى، وقوله وعلى الله قصد السبيل ويجوز أن تكون الإشارة إلى المذكور من الإغواء والنجاة منه أى لا يجرى واحد منهما بغير إرادتى وأمرى وعلمى ويجوز أن تكون الإشارة للإغواء بمعنى أن إغواءك عبادى طريقه على أى أنا له بمرصاد أجازيك عليه بدون اعوجاج بالجزاء.
[15.42]
{ إن عبادى ليس لك عليهم سلطان } قوة تجبرهم بها على الغواية { إلا من اتبعك من الغاوين } استثناء منقطع لأنه لا قوة له يجبر بها أحدا على الغواية أى لكن من اتبعك من الغاوين فقد تبعك باختياره لوسوستك له فيعذب كما تعذب فهذا تكذيب له فيما أوهمه أن له سلطانا على غير مخلصين ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا على أن يكون معنى السلطان القوة بتأثير الوسوسة فقط فيكون ذلك تصديقا له فى قوله إلا عبادك منهم المخلصين وأصل هذا الكلام على هذا لا تأثير لإغوائك فى عبادى المخلصين وعدل عن هذا إلى قوله { إن عبادى ليس لك عليهم }.. الخ لتعظيم المخلصين وإقناط الشيطان منهم ولا دليل فى الآية على جواز استثناء الأكثر ولو كان الأكثر الغاوين وهم تسعمائة وتسعة وتسعون من كل ألف والأقل الناجون وهم الواحد من كل ألف لاحتمال كون الاستثناء منقطعا على كيفية المذكورة أولا أو على كيفيه أخرى مثل أن يراد بعبادى العباد المخلصين.
[15.43]
{ وإن جهنم لموعدهم } لموضع الوعد للمتبعين لك الغاوين وقيل الضمير لإبليس والمتبعين له على طريق الالتفات { أجمعين } تأكيدا للهاء وهو بمعنى مجتمعين فيكون حالا وناصبها معنى الإضافة لأن موعدا اسم مكان وهو لا يعمل أو ناصبه موعد على أنه مصدر ميمى بتقدير مضاف أى ذات وعدهم.
[15.44]
صفحة غير معروفة