1421

[14 - سورة ابراهيم]

[14.1]

بسم الله الرحمن الرحيم { الر } تقدم مثله. { كتاب } خبر لمحذوف أى هذا كتاب وقوله { أنزلناه إليك } خبر كان أو نعت لكتاب أو كتاب مبتدأ أى كتاب عظيم وجملة أنزلناه خبره وهو القرآن وقيل السورة { لتخرج الناس } بدعائك إياهم إلى ما تضمنهم وعم الناس لأنه مبعوث إلى الخلق جميعا وقرئ ليخرج الناس بمثناة تحتية مفتوحة وضم الراء ورفع الناس أو بضم التحتية وكسر الراء ونصب الناس أى ليخرج الكتاب الناس. { من الظلمات } أنواع الكفر والمعاصى. { إلى النور } الإيمان جمع الظلمة لأن طرق الكفر والمعاصى كثيرة وأفرد النور لأن طريق الحق واحد وهو الإيمان. { بإذن ربهم } بتسهيله وتوفيقه ومن ذلك إذن صاحب الدار لمريد الدخول، وإذن حاجب الملك لمريد الدخول عليه ونحو ذلك فإنه تسهيل للحجاب وقيل يأمره وماصدقهما واحد وقيل بعلمه وهو ضعيف ولو صح من حيث ما فى الحقيقة والباء متعلقة بتخرج أو بمحذوف حال من المستتر فى نخرج أو حال من الناس. والآية تتضمن تشريف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ كان خروج الناس من الظلمات إلى النور جاريا على يده وتشريف القرآن إذ به خروجهم، { إلى صراط } طريق { العزيز } الغالب. { الحميد } المحمود على كل حال والمستحق لجميع المحامد والمستوجب على خلقه أن يحمدوه وصراطه دين الإسلام. قال ابن مسعود وابن عمر ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم طرف الصراط عندنا وطرفه فى الجنة وأضاف الصراط إلى الله لأنه شئ أمر به الله وقصده بالإيجاب ولأنه أظهره الله وخص وصف العزة ووصف الحمد تنبيها على أن من مشى فى ذلك الصراط لا يذل ولا يخيب والجار والمجرور من قوله إلى النور بدل الشىء أو متعلق بمحذوف مستأنف جواب لسؤال مقدر كأنه قيل إلى أى نور يخرجهم فقال يخرجهم إلى صراط العزيز الحميد.

[14.2]

{ الله } خبر لمحذوف أى هو الله والذى صفته أو مبتدأ خبره الذى، وقرأ غير نافع وابن عامر بالجر على أنه بدل أو بيان للعزيز والأصل إلى الله العزيز الحميد فقدم الوصف وهو العزيز وأعرب بحسب العامل وكان الموصوف بدلا منه أو بيانا وهكذا إذا تقدم نعت المعرفة ولفظ الجلالة علم على الذات الواجب الوجود قيل بالوضع وقيل بالغلبة والصحيح الأول { الذى له ما فى السموات وما فى الأرض } ملكا وعبيدا وخلقا { وويل } هلاك وهو نقيض الوأل وهو النجاة وهو مصدر لم يشتق منه فعل ولا وصف ولا غيرهما فإذا نصب فهو مفعول مطلق لعالم بقدر من معناه وأصله النصب وعدل عنه إلى الرفع لتكون الجملة فعلية فتفيد الثبوت، وكذا فى سلام عليكم والحمد لله ولكن لهما فعل وقيل إن للويل أيضا فعلا فيشتق أيضا سائر المشتقات. { للكافرين } بالكتاب فلم يخرجوا من الظلمات إلى النور به العابدين للأصنام التى لا تملك شيئا المشركين لها بمن ملكها وملك ما فى السماوات والأرض أو أراد مطلق الكافر. { من عذاب شديد } فى الآخرة والجار متعلق بمحذوف حال من ضمير الاستقرار فى قوله للكافرين أو متعلق بويل على تضمنه معنى تولول والصياح ولو فصل بالخبر لأنه ولو كان مصدرا لكنه لا ينجل إلى حرف مصدر وفعل وكذا يجوز أن يعلق بمحذوف نعت له والوجه والأول أولى لسلامته من الفصل ومن عليه للبيان أو للابتداء أو للتبعيض وكذا على الوجه الثالث وأما على الثانى فللتعليل.

[14.3]

{ الذين } نعت للكافرين أو مفعول لمحذوف أى أعنى أو أذم أو خبر لمحذوف أى هم الذين أو مبتدأ خبره أولئك فى ضلال بعيد { يستحبون } يختارون اختيارا شديدا ولتضمين الحب معنى الاختيار هنا وصل بعلى والسين والتاء كما علمت للمبالغة وادعى بعض أنهما للطلب على أصلهما وأن من يختار شيئا يطلب من نفسه أن يكون أحب إليها من غيره. { الحيوة الدنيا } أى القريبة الزوال بالموت. { على الآخرة } ومعنى اختيارها على الآخرة الإقبال عليها فقط والكفر بالآخرة. { ويصدون } يعرضون بأنفسهم فهو من صد اللازم أو يصرفون غيرهم فهو من المتعدى، وقرأ الحسن بضم الياء وكسر الصاد على أنه من صد بهمزة التعدية الداخلة على صد اللازم أى يصدون غيرهم وليس فصيحا لأن صد المتعدى مغن عن ذلك. { عن سبيل الله } وهى دينه. { ويبغونها } أى سبيل الله لأن السبيل يؤنث ويذكر أى يبغون لها فحذف الجار وأوصل المجرور بالفعل فذلك من باب الحذف والإيصال ولتضمن يبغون معنى يطلبون عدى إلى قوله { عوجا } أى زيغا عن الحق وكأنه قيل ويطلبون لها عوجا أو يبحثون عن عيب يعوجها ويشينها وليسوا بواجد به فيكذبون عليها ويبهتونها ليروا الناس أنها معوجة ويجوز أن يكون المعنى يطلبونها طلب عوج أو معوجين أو ذوى عوج أو بعوج بأن يريدوا الكون عليها مع بقائهم على ماهو عوج من شرك ومعاص وفيه ضعف لقلة من يريد ذلك، وعليه فها مفعول به بلا تقدير جار، وعوجا مفعول مطلق أو حال أو منصوب على نزع الخافض ويجوز رجوع ها إلى مطلق السبيل على طريق الاستخدام فيكون ها مفعولا بلا تقدير أى يطلبون الطريق باعوجاج وهو الشرك والمعاصى أو ذوى عوج أو معوجين أو طلب عوج أو معوجة أو ذات عوج ويجوز رجوع ها إلى الدنيا أى يطلبون الدنيا على طريق الميل عن الحق والإعراب كالذى قيل. { أولئك فى ضلال } ذهاب عن الحق. { بعيد } عنه أسند البعد إلى الضلال مع أنه فعل للضلال مبالغة كقولك جد جده برفع جده تريد أنه مبالغ فى الاجتهاد حتى كان اجتهاده مجتهد، وقولك صام صومه بالرفع تريد مبالغته فى الصوم حتى كان صومه صايم ويجوز أن يكون بعيد فعيلا للنسب أى ظلال ذى بعد أو فيه بعد والنسبة تصح لأدنى ملابسة، والذهاب عن الطريق قد يكون بمسافة بعيدة كما هنا وبمسافة قريبة فهذا وجه غير الأول، وإن شئت فقل البعد لما به الضلال فوصف به الضلال للملابسة.

[14.4]

{ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه } بلغتهم وقرئ بلسن بكسر اللام وإسكان السين بمعنى اللغة أيضا كالريش والرياش وقرئ بلسن بضمهما وقرئ بلسن بضم اللام وإسكان السين وهو على هاتين القراءتين جمع لسان كعمد بضمتين وعمد بضم فإسكان أو الإسكان تخفيف عن الضم والهاء لرسول، أى كل رسول بلغة قومه ووجه الجمع أن ألسنة القوم الواحد قد تختلف أو أن نطق كل أحد غير نطق الآخر. { ليبين لهم } ما أمروا به فيفهموه عنه بسهولة وسرعة ثم ينقلوه ويترجموه لمن خالف لغتهم ولم يرسل إلى غير قومه بلغة ذلك الغير، لأن قومه أولى به لأنه فيهم ومنهم فهم أحق بدعوته وإنذاره ولذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته أولا، ولو أنزل الكتاب الواحد على لغة كل قوم لكان أعظم فى الإعجاز لكن يكاد يكون ذلك جبرا على الإيمان وإلا لأدى إلى التحريف والتبديل واختلاف الكلمة ولغات أجر الاجتهاد والكد فى تعلم الألفاظ والمعانى والعلوم المتشعبة منها. وقال الضحاك الهاء فى قومه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كتب الله كلها منزلة بلغة قومه وهم قريش أو العرب ثم ترجمها جبريل أو كل نبى بلغة المنزل عليهم ويرده أن الهاء فى لهم عائدة إلى القوم وقد فرض أن القوم قريش أو العرب فيلزم أن يكون المعنى ليبين كل رسول لقريش أو العرب، وهذا لا يصح لأن نحو التوراة والإنجيل لم ينزل ليبين للعرب بل للعجم وإن رد الهاء فى لهم للأقوام قوم كل رسول كان أشد تكلفا، فإن صح أن كل كتاب من الله بالعربية فبدليل آخر لا بالآية هذه. { فيضل الله من يشآء } يخذله عن الإيمان. { ويهدى من يشآء } يوفقه وأما كل رسول فما عليه إلا التبيين لقومه. { وهو العزيز } لا يغلبه شىء عما أراد فى ملكه من انتقام وإنعام وإعزاز وإذلال وغير ذلك كإضلال وهداية. { الحكيم } فى كل ما يقول أو يفعل فلا يضل أحدا ولا يهدى آخر إلا لحكمة.

[14.5]

صفحة غير معروفة