1377

فخلع سوارا فى يده يساوى خمسين ألف دينار من يقاوت أحمر، ودفعه إلى أخيه بنيامين، فأخذه ولم يدر ما هو؟ ولا ما قيمته؟ فقال له يا أخى ماذا أصنع به، فتبسم من قوله، وعلم أنه لا يعرف ذلك، فقال اجعله فى عضدك وتعال معى حتى أريك إخوتك، فوجدا إخوتهما قياما على الباب ركبانا، فقال امض نحو إخوتك، فبكى وقال لا أريد فراقك، قد والله مال قلبى إليك. فقال له يوسف كيف تقدر ترافقنى وأنا عبد مملوك، أى عبد الله أو أراد تعريض إخوته إذ باعوه، فذهب بنيامين نحوهم فرحا، فقالوا له يا بنيامين ما رأيناك أبدا مستبشرا مثل هذه الساعة؟ قال لهم نعم، قد طلب قلبى براكب أتانى على ناقة، وكلمنى بالعبرانية، وأعطانى سوارا من زجاج، فقال له يهود أرنيه، فأراه إياه قال له ما أحسن هذه الزجاجة يا أخى، اجعلها فى عضدى لئلا تضيع منك قال له أفعل، فجعلها فى عضده فذهبت إلى عضد بنيامين، فقال له شمعون، وقد خرج إليهم من موضع فى مصر إذا ارتهنه يوسف أرنى هذه الزجاجة فتناولها فجعلها فى عضده، فذهبت إلى عضد بنيامين، وكذلك من جعلها فى عضده منهم رجعت منه إلى عضد بنيامين. وروى أنه لما علم يوسف بقدومهم مع بنيامين سر غاية السرور، وأمر بتزيين مجلسه، وزين وبخر وجلس على سرير، وأمر بأوانى الذهب فصفت مملوءة بالطيب عن يمين وشمال إلى كرسيه، وأمر بدخولهم، فقدموا بنيامين ليعلم الملك بوصوله، ودخلواعقبه، فجعل يأخذ الطيب من تلك الأوانى ويمسح به، وجعل إخوته يلومونه ويزجرونه، ويقولون ما أجهلك! ألك وضعت هذه الأوانى؟ أو لأجلك ملئت طيبا؟ هذا سوء أدب ، لأنك لم تتعود الدخول على الملوك، إنما تعودت صحبة النعم. فقال يا إخوتى ليس الأمر كذلك، هذا أعز الملوك وأطبعهم نفسا، وقد تعود من الطيب فتغيره أدنى رائحة، ونحن قوم سفر تغيرت روائحنا، فقالوا صدقه، وأخذوا وتمسحوا ويوسف ينظر إليهم، وقد امتلأ سرورا، ولما وقفوا بين يديه نظروا إلى بهاء ملكه، ووقار سلطانه، وزيادة زينته، وتعجبوا وقال بعضهم لبعض لعل هذا الملك غير الملك الذى كنا لقينا. وقال الترجمان يقول لكم الملك من أنتم؟ ومن أى بلد جئتم؟ فقالوا نحن الذين أمرتنا أن نجئ بأخينا، فقال نعم، فهل جئتم به، فاستبشروا وعرفوا أنه الملك الأول، فقالوا يا أيها العزيز إنا قد امتثلنا أمرك وأتيناك به وبكتاب من أبينا، فقال لترجمانه خذه منهم، فأخذه منهم، فقرأ يوسف ففاضت عيناه بالدموع، وأمر بإنزالهم وإكرامهم.

وبعد أيام قليلة أمر بطعام كثير فصنع، وجعل على موائد عظيمة، ونصبت أمام السرير ثم أمر بإحضارهم، فأجلسوا على الموائد فى عز وشرف، والولدان والوصائف وقوف على رءوسهم بألوان الأشربة، وأنواع الزينة الحسنة، ولما أرادوا التناول قال الترجمان إن الملك يأمركم أن يجلس على كل مائدة أخوان من أب وأم، فجلسوا اثنين اثنين وبقى بنيامين وحده فتأخر عن الطعام وبكى ونادى يا حسرتاه لفراقك يا يوسف، لو كنت موجودا لجلست معك، وسمع يوسف وأشفق، وأقبل عليه بالكلية، وقال مالك تأخرت عن الطعام؟ قال مالى أخ من أب وأم كان لى أخ منهما يسمى يوسف، لا أدرى أحى أم ميت وتذكرته فتجددت أشجانى، وتحركت أحزانى، فصاح وصعق، فوقعت الصيحة فى منزل يوسف أن أحد العبرانيين مات، فنزل يوسف عن سريره، والبرقع على وجهه، فرفع رأسه وجعله فى حجره وبكى حتى أفاق. فقام يوسف وأمر الخدم بحمله إلى سريره حتى يجلس معه، ففعلوا، وأمر بإحضار مائدة من ذهب مرصعة بالجواهر واللآلئ فوضعت بين يديه، ثم أمر الخدم أن يجعلوا عليها من ألوان الأطعمة ما يليق بالملك، ثم قال كل معى كالأخ إذ بقيت منفردا، فعظم ذلك على الإخوة وقالوا انظروا إلى بنى راحيل أخوة الأول قال أنتم عبيدى، وهذا الثانى إذا رجع إلى كنعان افتخر علينا وقال جلست على سرير الملك، وأكلت معه. ثم قال يوسف ألك زوجة؟ قال نعم. قال ألك ولد؟ قال ثلاثة. قال فما سميت الأكبر؟ قال ذئبا. قال لم والذئب سبع عاقر؟ قال لأن إخوتى زعموا أن أخى يوسف أكله الذئب، فأحب أن أذكر ذلك. قال فما سميت الثانى قال دما. قال ولوم قال لأن إخوتى جاءوا بقميصه ملطخا بالدم، فأنا أحب أن أذكر ذلك الدم. قال فما سميت الثالث؟ قال يوسف. قال ولم؟ قال لئلا يندرس اسمه من فمى، فاهتز لذلك حتى كاد يفشى السر، ثم قال قم يا فتى إلى البيت لأخلو معك فيه، فدخلا البيت، وأرخى الستر، وكشف البرقع، وأزال النقاب، وأبدى الوجه الجميل، وقال أتعرفنى؟ قال أرى وجها جميلا يشبه وجه حبيبى المفقود، فقال يوسف ما ذكر الله عنه عز وجل فى قوله { ولما دخلواعلى يوسف... }

[12.69]

{ ولما دخلوا على يوسف آوى } ضم { إليه } إلى نفسه { أخاه } بنيامين فى الطعام، وفى الكرسى، وفى البيت للخلوة، وعند رفع رأسه إلى حجره { قال إنى } وسكن الياء غير نافع وابن كثير وابن عمر { أنا أخوك } يوسف { فلا تبتئس } أى لا تتضرر باجتلاب الحزن، وهو يفتعل من البؤس. { بما كانوا يعملون } فينا فإن الله سبحانه وتعالى قد أحسن إلينا، وجمعنا على خير وصفح عن إخوته، وصفا لهم، فأراد أن يكون بنيامين كذلك، ولا تعلمهم بما علمتك، وبكيا واعتناقا، وبكت الملائكة، وخر بنيامين ساجدا، وغشى عليه من الفرح. وعن وهب بن منبه أنه لم يعرف إليه، ولكن قال إنى أنا أخوك بدل أخيك المفقود، فلا تبتئس بما كنت تلقى منهم من الحسد والأذى، فقد أمنتهم قبل، ويحتمل أن يريد فلا تبتئس بما يفعل فتيان يوسف من أمر السقاية ونحو ذلك. وفى عرائس القرآن لما دخلوا على يوسف فى الكرة الثانية قالوا يا أيها العزيز هذا أخونا الذى أمرتنا أن نأتيك به، قد جئنا به، قال أحسنتم وأصبتم، وتجدون ذلك عندى، ثم أنزلهم وأكرمهم وأنزلهم وأضافهم،وجلس كل اثنين على مائدة فبقى بنيامين واحدا، فبكى وقال لو كان أخى يوسف حيا لأجلسنى معه، قال لهم يوسف هذا أخوكم هو وحيد فريد أجعل معى على مائدتى، فأكل معه، فلما كان الليل أمر لهم بمثله، فجلس كل أخوين على فراش واحد، فبقى بنيامين وحده فقال هذا ينام معى على فراشى، فنام معه وضمه إلى صدره، وجعل يشم رائحته حتى أصبح فجعل روبيل يقول ما رأينا مثل هذا. ولما أصبح قال لهم أرى هذا الذى جئتم به ليس معه ثان فاضمه إلى ليكون منزله معى، ثم أنزلهم منزلا واحدا، وأنزل معه أخاه، وأجرى عليهم الطعام، وخلا له وقال ما اسمك؟ قال بنيامين؟ قال وما بنيامين؟ قال ابن المتكل، لما ولدت هلكت أمى، قال وما أسمها؟ قال راحيل بنت لايان بن نوبيل بن فاخور، فقال هل من ولد لك؟ قال عشرة أبناء، قال فما أسماؤهم؟ قال لقد اشتققت أسماءهم فى شأن أخى من أبى وأمى، قال ما اسمه؟ قال يوسف، قال لقد اعتراك بذلك حزن شديد، قال هم بلع، لأن أخى ابتلعته الأرض، وبكر لأنه بكر أمى، وشكلا لأنه على شكل أمى وأبى، وأكبر لأنه أكبر منى، ونعمان لأنه ناعم بين أبويه، وورد لأنه بمنزلة الورد فى الحسن، وحيتم لأنه أبى أخبر أنه حى، وموتع لأنى لو رأيته لقرت عينى وتم سرورى، ويوسف لئلا يخرج اسمه من بيتنا. فقال له يوسف تحب أن أكون أخاك بدلا من أخيك الهالك؟ قال أيها الملك ومن يجد أخا مثلك، ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام وعانقه وقال { إنى أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون } ولا تعلمهم بشئ من هذا.

وروى أن يوسف بنى بناء مذهبا أربعين ذراعا طولا، وأربعين عرضا، وأمر يوسف عليه السلام ويعقوب وإخوته جميعا على حائطه وقصته من حين ذهبوا به وصوروا شمعون آخذا بذؤابتى يوسف بشماله، والسكين بيمينه يريد قطع رأسه، وصور صورة روبيل ويوسف داخل فتحت ذيله ، ولما دخلوا أمر غلمانه أن يدخلوهم فى الموضع الذى صوروا فيه فدخلوا وجلسوا، فرفع روبيل رأسل، فوقع بصره على الصور فصعق، فقال إخوته مالك يا روبيل؟ فأخبرهم، فقالوا هذه والله صورنا وصنائعنا وأفعالنا بيوسف، فتغيرت ألوانهم وتلجلجت ألسنتهم، ووجلت قلوبهم، فأخذوا فى البكاء والنحيب. فقال يوسف لغلمانه قدموا لهم الطعام، فقدموا فامتنعوا من الأكل، فقال للغلمان قولوا لهم لم لا تكلون؟ فقالوا والله لقد جئنا جياعا ولما رأينا هذه الصور وصورة أخينا المفقود ضاقت صدورنا فلم نطق الطعام وبكينا، فقال لغلمانه أخروجهم من ذلك البيت إلى بيت الخواص. وكان بينامين يبكى وينتحب، وعلا بكاؤه وغشى عليه، ولما أفاق خرجوا إلى بيت الخواص، وفيه مائدة فجلسوا، فأذهب الله عنهم ذلك رحمة بهم ليأكلوا فأكلوا إلا بنيامين فلم يأكل، واشتغل بالبكاء ودموعه كالجمان على خده كاللؤلؤ والمرجان وكان شبيها بيوسف فى الحسن والجمال، وبه يتسلى يعقوب، فقال له يوسف لم لا تأكل؟ قال أشتهى أن أدخل ذلك البيت الذى كنا فيه، قال لمه؟ قال لأنى وجدت فيه صورة أخى، وأريد أن أجلس بحذائها وأبكى عليها، فأذن له، فرجع يبكى حولها، فاحترق قلب يوسف، فدخل بيت الخلوة وسأل الله أن يتعرف لأخيه فأذن الله له، فمر ابنه أفراثيم حذاء عمه وجعل يبكى معه، فكان بنيامين تارة ينظر إلى الصورة وتارة ينظر إلى أفراثيم فلم يميز بينهما، فتعجب من ذلك فقال ممن أخذت صورتك يا بنى؟ فقال من هذا الذى فى الحائط، فقال ممن أنت؟ قال أنا ابن يوسف الصديق، قال أهنا إنسان اسمه يوسف الصديق؟ قال نعم، فسماه الله صديقا فبكى بنيامين بكاء شديدا، وبكى أفراثيم لبكائه. ويوسف وزليخا ينظران إليهما ويبيكيان. قال أفراثيم يا عم مم بكاؤك؟ قال يا بنى كان لى أخ اسمه يوسف، وقص عليه القصة، فقال له لا تبكى يا عمى، فأنا ابن أخيك يوسف، وهو الذى كان يقربك، فوثب من مكانه فضمه إلى صدره، وقال واحزناه وا طول شوقاه لفراقك يا قرة عينى، وريحان قلبى، وثمرة فؤادى يا يوسف، وأين والدك؟ دلنى عليه، فلا صبر لى عنه، فمضى أفراثيم نحو والده وأخبره بخبر عمه، قال له سر إليه وأتنى به، فرجع قال له قم يا عمى، فقام معه، ودخل به بيت الخلوة، فقام إليه يوسف، وكشف البرقع عن وجهه، وضمه إلى صدره، وقال يا قرة عينى يا بنيامين، أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون، فزعق بنيامين فغشى عليه، ثم أفاق فقال له يا حبيبى وقرة عينى وثمرة فؤادى، كيف حال والدى؟ قال كيف أصف لك حاله يا يوسف، قد ذهبت والله عيناه من البكاء عليك، فهو لا يشتهى إلا لقاءك، فبكى وقال ليت أمى لم تلدنى.

ثم سأل عن أخته زينة؟ فقال له وحياتك العزيزة على ما لبست المسكينة منذ أربعين سنة إلا المسوح، وهى تقعد كل يوم فى مفرق الطريق، كلما لقيت غريبا سألته عنك، ثم قال يا بنيامين هل تزوجت؟ قال نعم، قال له يا أخى كيف يتفرغ الحزين لذلك؟ قال وعزتك على لو كانت نار الاشتياق تدوم لذابت، ولكن إذا عظمت يداركها الحق سبحانه باللطف، يسلى بالرجاء، وينسى حتى يتم قضاه، ثم يرجع الأمر إلى ما كان عليه. قال فهل لك أولاد؟ قال ثلاثة، قال ما أسماؤهم؟ قال يوسف، وذئب، ودم، قال ولم سميتهم بذلك؟ قال إذا نظرت إلى يوسف ذكرتك، وإذا نظرت إلى ذئب ذكرت ذلك الذئب الذى أكلك ومزق قميصك، وإذا نظرت إلى دم ذكرت الدم الذى لطخوا به القميص، فبكى وقال قم عند إخوتك يا بنيامين، فقال كيف تبعدنى عندك بعد ما بكيت أربعين سنة؟ قال يا أخى إنك لم تبق معى إلا أن أضع عليك اسم اللصوصية، قال نعم. ثم قام بنيامين، ودخل على إخوته فما عرفوه من النور الذى فى وجهه من فرحه بلقاء أخيه، فقالوا له، من أنت؟ قال أنا أخوكم بنيامين، قالوا من غيرك؟ قال أتعرفون مغيرا غير الله تعالى، وغبطوه وقالوا له هنيئا لك، فما الذى قال لك الملك؟ قال وعدنى بخير. قال فى عرائس القرآن قال كعب الأحبار لما تعرف يوسف إليه قال فإنى لا أفارقك، قال يوسف قد علمت اغتمام والدى بسببى، فإذا حبستك ازداد غما، ولا يمكننى حبسك إلا بعد أن أشهرك بأمر عظيم، فقال لا أبالى افعل ما بدا لك، قال، فإنى أدس صاعى هذا فى رحلك، ثم نادى عليك بالسرقة ليعيننى ذلك على ردك بعد تسريحك، قال فافعل. فأوفى لهم الكيل، وجعل لبنيامين حمل بعير باسمه، وقيل زاد لكل واحد حمل بعير، وأمر بالسقاية أن تجعل فى رحل أصغرهم وهو بنيامين وهو لا يشعر، وذلك قوله تعالى. { فلما جهزهم بجهازهم... }

[12.70]

{ فلما جهزهم بجهازهم جعل } أسند التجهيز والفعل إليه، لأنه الآمر بهما، وإلا فالفاعل لهما الغلمان والخدمة { السقاية فى رحل أخيه } وكانت مشربة يشرب بها من ذهب مكلل بالجواهر. انتهى كلام عرائس القرآن. وروى أنه أمر الغلمان أن يكيلوا لهم، ويكيلوا للصغير آخرا، وأن يجعلوا الصواع فى رحله وهو لا يعلم، ولم يكن شئ أحب إلى يوسف منه، ولا أكثر قيمة، وكان يشرب بها فهو السقاية يكيل بها الطعام لشرفه وغلاه، قيل إنها من ياقوت أحمر، فقيمتها مائتا ألف دينار، وصححه بعضهم، وعن الحسن أنها من فضة، وكذا قال ابن إسحاق، وجمهور الناس، وقيل من البلور، وقيل من الزمرد الأخضر، وقال عكرمة من فضة مرصعة بالجواهر، ولم يزد ابن عباس فى جمهور المفسرين على أنها صاع، وقيل عنه إنها من زبرجد، وقيل من فضة مموهة بالذهب، وقيل كانت مشربة للملك ثم جعلت مكيلا للطعام، وقيل كانت الدواب تسقى بها ويكال بها، وقيل كان إناء مستطيلا شبه الملوك، وقيل هى الملوك الفارس الذى يلتقى طرفاه، تشرب به الأعاجم. وعلى كل حال قد جعل الله عز وجل فيه معجزة، وهى أن يعلمه إذا نقره بالصادق من الكاذب، وجعلوا الغلمان وسط رحل بنيامين، وشد رءوس الأوعية وسلموها لهم، وهكذا يفعلون مع غيرهم، يكيلون ويشدون رءوس الأوعية ثم يسلمونها لأهلها فخرجوا، ولما وصلوا مرحلة أرسل إليهم خمسمائة فارس، وذلك على يوم وليلة، وبلغوا قرية يقال لها بسر، وقيل أمهلهم حتى خرجوا من العمارة، وقيل حتى انفصلوا من مجلس يوسف، فأرسل إليهم من استوقفهم وحبسهم. { ثم أذن مؤذن } نادى مناد والعطف على قوله { جعل } ومن قرأ وجعل بالواو قدر للما جوابا وعطف عليه، وهى قراءة ابن مسعود، أى أمهلهم حتى انطلقوا، ثم أذن مؤذن، والأذان لغة الإعلام والتشديد للمبالغة، وفى ندائهم إعلام، أو يفسر التأذين فى الآية بالإعلام. { أيتها العير } يعنى يا أصحاب العير، ولما حذف المضاف نودى المضاف إليه بواسطة أيتها لاقترانه بأل، والعير اسم للقافلة التى فيها الأحمال من الإبل، سميت بها لأنها تعبر أى تجئ وتذهب، وقال مجاهد العير الحمير، وقال أبو الهيثم كل ما سير عليه من الإبل والبغال والحمير عير، وأن القول بأنها الإبل خاصة باطن ا ه. وقيل هو جمع عير بفتح العين وإسكان الياء، وأصل الجمع عير بضم أوله وإسكان ثانيه، كسقف وسقف، قلبت الضمة كسرة لئلا تقلب الياء واوا، والعير بالفتح الحمير المقفل بها، وكثر حتى قيل لكل قافلة عير، وعلى كل حال يقدر المضاف كما علمت، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم

" يا خيل الله اركبى "

الأصل يا أصحاب خيل الله اركبوا، ولما حذف المضاف أنث الضمير لعوده على المؤنث، كما أنث أيها الآية.

صفحة غير معروفة