فقالت ما حكى الله عنها بقوله { قالت } لسيدها { ما جزاء من أراد بأهلك } زوجتك { سوءا } أى فاحشة فتعنى الزنى، لم تصرح بيوسف لأن العموم أبلغ، فإنها قالت { ما جزاء من أراد بأهلك سوءا } كائنا ما كان لا كذا وكذا، فإن هذه العبارة آكد فى أن يوسف لا يخلصه مخلص من الجزاء إذا أراد بها سوءا فيما زعمت، وهو برئ وما نافية، وتجوز أن تكون للاستفهام الإنكارى، وهو نفى أى أى شئ جزاء { إلا أن يسجن } أى إلا سجنه { أو عذاب أليم } موجع كما قال الله تعالى
هل يهلك إلا القوم الفاسقون
أو العذاب معطوف على المصدر المسبوق من الفعل قبله كما رأيت، وهو الضرب بالسياط أو غيره من سائر التعذيب، لكنها مشفقة عليه جدا، ولذلك لم تذكر القتل مع أنه أسبق شئ إذا غضب من له بطش وتمكن بهتك الستر العظيم، حاشاه عليه السلام، بل ابتدأت بذكر السجن، وأخرت العذاب، لأن المحب لا يشتهى إيلام المحبوب، ولم ترد السجن الطويل بل أرادت ما يعطفه عليها ويلين عريكته، مثل أن يسجن عبدها يوما أو يومين، ومثل أن يضرب ضربتين أو ثلاثا. وهذا كالمثل السائر خذ اللص قبل أن يأخذك، إذ سابقت بالشكوى لما تبادر الباب توافق أن العزيز بالباب فى بعض حوائجه فإذا الصوت من وراء الباب، فرأى ما هما عليه، وأصابها الخجل، ولكن لم ترد عليه أن يفلت من يدها فنظر إليهما متسائلا ما هذا الذى أرى فقال يوسف { قال هى راودتنى عن نفسى... }
[12.26]
{ قال هى راودتنى عن نفسى } أى قال يوسف مكذبا لها هى التى دعتنى إلى مقارفة الفحشاء وأنا لم أرد بها السوء. { وشهد شاهد من أهلها } وكان هذا الشاهد طفلا صغيرا مع والده، فسئل ابن عباس رضى الله عنهما فقال تكلم فى المهد أربعة عيسى بن مريم، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وهذا الصبى وهى امرأة حزيقل مؤمن آل فرعون، والمشهور عن أبى هريرة ثلاثة بإسقاط الشاهد، قيل وبعد هذا قيل علمه صلى الله عليه وسلم بالزيادة، وقيل تكلم فى المهد أحد عشر إنسانا نظمها السيوطى فى قلائد الفوائد فقال
تكلم فىالمهد النبى محمد ويحيى وعيسى والخليل ومريم ومبرى جريج ثم شاهد يوسف وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم وطفل عليه مر بالأمة التى يقال لها تزنى ولا تتكلم وماشطة فى عهد فرعون طفلها وفى زمن الهادى المبارك يختم
ومبرى جريج هو الطفل الذى أبرأ هذا الراهب المسمى جريجا مما رمته به بغية، بأنه ولده منها بزنى، صلى ركعتين فطعن بيده فى بطنه فقال أبى الراعى الفلانى. وطفل الأخدود هو الذى أرادت أمه أن تتأخر عن الأخدود الذى حفره الجبار، وأوقد فيه النار لمن آمن، قال لها قعى ولا تتقاعسى كما تراه فى محله إن شاء الله. والطفل الممرور عليه بالأمة هو الذى كان يرضع فمروا بها عليه، وقالت أمه اللهم لا تجعل ابنى مثلها، فقال اللهم اجعلنى مثلها. وطفل الماشطة هو الذى أراد فرعون ذبحه لما آمنت أمه تخويفا لها لعلها تكفر فأشفقت عليه فقال لها اصبرى. والذى فى زمان الهادى مبارك اليمامة، دخلت به أمه على الهادى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فجعل ينظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له " من أنا؟ " قال أنت رسول الله، وفى قصه كل منهم طول. وقال الحسن، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وابن عباس فى رواية عنه لم يكن شاهد يوسف صبيا، ولكنه رجل حليم ذو رأى يرجع إليه الملك، ويستشيره وقال السدى هو ابن عم راعيل الذى كان جالسا مع العزيز عند الباب،وقيل أخوها، ويجوز أن يكون بعض أهلها فى المهد يبصر من حيث لا يشعر. { إن كان قميصه } الخ محكى قول محذوف، أى فقال إن كان قميصه الخ، ويشهد لأنه فى معنى قال { قد من قبل } قدام { فصدقت } أدخل إن الشرطية وهى الاستقبال على كان، وهى للماضى لأن المراد أن يعلم أنه كان قميصه قد من قبل، أو إن ظهر أنه إن كان قميصه الخ، وعبارة بعض إن كان تبقى على المضى إذا كانت شرطا، وقرن الجواب بالفاء مع أنه ماض منصرف مجرد من موجب القرن بها، لأنه ماضى المعنى على ما قال ابن هشام، وقيل بتقدير المبتدأ، أو قد، أى فهى صدقت أو فقد صدقت. { وهو من الكاذبين } لأنه لو كان هو الهارب عنها، وكانت الطالبة له التابعة لم يقد من قبل، لأنه يقد منه إذا طلبها ودافعته عن نفسها، وإذا أسرع خلفها فتعثر بذيله.
[12.27]
{ وإن كان قميصه قد من دبر } خلف، وقرئ من قبل ومن دبر بإسكان الباء تخفيفا، وقرأ أبو إسحاق بفتح اللام والراء، كأنه جعلهما علمين للجملتين فمنعهما الصرف للعلمية والتأنيث، وقرئ بضمهما قطعا من الإضافة لفظا لا معنى. { فكذبت وهو من الصادقين } لأنه لا يقد من دبر لو لم يهرب فتمسكت به، وفى رواية عن مجاهد، أن الشاهد فى قوله تعالى { وشهد شاهد } وهو القميص المقدود من بدر عليه، فمعنى كون القميص من أهلها أنه من مال زوجها الذى بين يديها، فيكون الشرطان والجوابان تفصيلا وبيانا لشهادة القميص، وقد أجاز بعض العلماء الحكم إذا عدم سواها اعمادا على هذه الآية.
[12.28]
صفحة غير معروفة