1345

قال " جربان بالموحدة، والطارق، والذيال بذال معجمة، أو بزاى فمثناة تحتية، وقابس، وعمودان، والفيلق، والمضئ، والضروح، والفرع، ووثاب، وذو الكتفين، رآها يوسف، والشمس والقمر نزلت من السماء، وسجدت له " فقال اليهودى إيها والله لأسماؤها. وفى رواية هؤلاء المذكورين عن جابر أنه رآها فى أفق السماء ساجدة له، ويحتمل الجمع بين ذلك بأنها نزلت وبقيت فى الأفق لم تصل الأرض، ولكن كلام بعض كالصريح فى وصلها الأرض، وهو أشد مناسبة للسجود. قال فى عرائس القرآن إن يعقوب لم يكن يأمن أحدا على يوسف، وكان ينومه إلى جنبه، فبينما هو نائم ليلة جمعة، انتبه فزعا مرعوبا، فالتزمه يعقوب وضمه إلى صدره، وقبله بين عينيه، وقال يا حبيب أبية ما الذى أصابك؟ قال يا أبت رأيت رؤيا أفزعتنى. قال يا بنى خيرا رأيت ما الذى رأيت؟ قال رأيت كأن أبواب السماء فتحت، وقد أشرق منها نور، فاستنارت النجوم، وأشرقت الجبال، وزخرت البحار، وهدأت أمواجها، وضجت الحيتان بأنواع اللغات، ورأيت كأنى ألبست رداء أشرقت الأرض من حسنه ونوره، ورأيت كل مفاتيح خزائن الأرض ألقيت بين يدى. فبينما أنا كذلك إذا رأيت أحد عشر كوكبا انقضت من السماء، ومعها الشمس والقمر فخروا لى ساجدين. فقال يعقوب

يا بنى لا تقصص رؤياك على إخوتك

الآية. وسمعت امرأة يعقوب سمعون خالة يوسف ذلك فقال لها اكتمى ما قال يوسف، ولا تخبرى أولادى. فقالت نعم، فلما أقبل أولاد يعقوب من مراعيهم، أخبرتهم بالرؤيا، فانتفخت أوداجهم، واقشعرت جلودهم على يوسف غيظا. فقالوا ما عنى بالشمس غير أبينا، ولا بالقمر غيرك، ولا بالكواكب غيرنا ابن راحيل، يريد أن يتملك علينا ويقول أنا سيدكم وأنتم عبيدى، فحسدوه على ذلك، فلذلك قيل فى الحكمة لا تأمنن قارئا على صحيفة، ولا شابا على امرأة، ولا امرأة على سر، انتهى. قال قتادة النجوم إخوته وهم أحد عشر يستضاء بهم، كما يهدى بالنجوم، والشمس أبوه والقمر أمه، وكذا روى عن يعقوب عليه السلام، وهو قول الجمهور، وهو موافق لقول أخوته، إلا أنهم قالوا القمر زوجة يعقوب، وهى غير أمهم وغير أم يوسف، وعن يعقوب أيضا إن القمر خالته، وعن السدى القمر خالته، وكانت تحت يعقوب، لأن أم يوسف راحيل قد ماتت. وعن قتادة وابن جريج القمر أبوه، والشمس أمه، لأن الشمس مؤنثة، ومن قال إنها أبوه اعتبر الفضل والقوة. وروى أن يوسف نام فى حجر يعقوب، وقال يعقوب أترى هذا الوجه أحسن أم الشمس أم القمر؟ فانتبه من منامه وقال يا أبت ما قدر الشمس والقمر، إنى رأيتهما يسجدان لرؤيتى. وروى أنه لما قال يا أبت زعق يعقوب فقال له يوسف مالك؟ فقال ما نطق بهذه الكلمة أحد إلا وقعت محبته، فقال يا أبت إن كنت لى حبيبا فأخبرنى بتأويلها، فأخبره، وإنما أخر الشمس والقمر لفضلهما بذكرهما بعد لفظ لو شاء لعمهما به بأن يقول رأيت ثلاثة عشر كوكبا فإنهما كوكبان ، ولأن الواو بمعنى مع، أى مع الشمس والقمر، كما تقول جاء الجند مع الأمير والسلطان.

قال فى عرائس القرآن كان ابتداء أمر يعقوب ويوسف وبدو محبته له، وإيثاره على سائر أولاده، أن الله تعالى أنبت ليعقوب شجرة فى صحن داره، فكان كلما كبر الغلام وشب طال القضيب وغلظ، ودفعه إلى ولده حتى تم له عشرة أولاد بعشرة قضبان، فلما ولد يوسف، لم يخرج الله له قضيبا، ولما كبر وشب قال لأبيه يا نبى الله إنه ليس أحد من إخوتى إلا وله قضيب، وأنا ليس لى قضيب، فادعو الله أن يخصنى بقضيب من الجنة. فرفع يعقوب يديه إلى السماء وقال إلهى إنى أسألك أن تهب ليوسف قضيبا من الجنة، يفتخر به على جميع إخوته، فهبط جبريل ومعه قضيب من الجنة، من الزبرجد الأخضر، فقال ليوسف خذها، فكان يوسف يأخذه ويخرج به مع إخوته، فرأى يوسف فى منامه وهو إذ ذاك صبى، كأن قضيبه غرس من الأرض، فعلق وتدلت أغصانه، وأثمر كل غصن، ثم جئ بعصى إخوته فغرست حولها، فلم تعلق، ولم تتفرع، ولم تثمر، وإذا بعصى يوسف أقصرها، فلم تزل تعلوا حتى طالت عليهن، ثم هبت الريح فقلعتهن فألقتهن فى البحر، وثبتت عصى يوسف، فانتبه فزعا مرعوبا. فقال له أبوه ما الذى دهاك؟ فقص عليه رؤياه، فبلغ ذلك إخوته فقالوا يا ابن راحيل لقد رأيت عجبا يوشك أن تدعى أنك مولانا ونحن عبيدك، فشق ذلك عليهم وحسدوه. قال وهب بن منبه رأى هذه الرؤيا وهو ابن سبع، ثم رأى الكواكب والشمس، والقمر، وهو ابن اثنتى عشرة انتهى. وذكر جار الله، عن وهب أنه رأى وهو ابن سبع، أن إحدى عشرة عصى طولا لا مركوزة فى الأرض كهيئة الدائرة، وإذا عصى صغيرة تثب عليها، حتى أقلعتها وغلبتها، فوصف ذلك لأبيه، فقال إياك أن تذكرها لإخوتك، وقيل كان بين رؤيا يوسف للنجوم والقمرين، ومصير إخوته إليه أربعون سنة، وهو قول ابن عباس، وقيل ثمانون وهو قول الحسن. { رأيتهم لى ساجدين } الرؤية الأولى مجرد إخبار بأنه رأى ذلك، وهذه بيان لما وقفت عليه حالها، وما رآها إلا مرة واحدة، كما تقول جاء زيد مريدا لمجرد الإخبار بمجيئه ثم تقول جاء راكبا والمجئ واحد، ولكن أردت بذكر مجيئه ثانيا بيانا لحاله، فجملة { رأيتهم لى ساجدين } مستأنفة. وقيل رأيتهم تأكيد لقوله { رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر } وعليه الشيخ خالد، وقيل إن ذلك من باب الاشتغال، وإنه قد جمع بين المفسر والمفسر لجواز الجميع بينهما، وهو قول ضعيف، وعلى ما ذكرته أولا وهو الصحيح عندى يكون ساجدين مفعولا ثانيا لرؤيا الثانى، على أن الرؤيا تتعدى لاثنين، أو حالا على أنها تتعدى لواحد.

وصاحب الحال الهاء، ولا مفعول ثانيا ولا حال للرأى الأول، لأن المراد به مجرد إخبار بأنه رأى أحد عشر كوكبا والشمس والقمر. وعلى القول الثانى والثالث يكون ساجدين مفعولا للأول، أو حالا من مفعوله الأول، وما عطف عليه، ولا مفعولا ثانيا ولا حالا للثانى، وإنما عبر عن الكواكب والشمس والقمر بقوله هم، ولجمع المذكر السالم لتنزيلها منزلة العقلاء إذا وصفت بما يخص العاقل، وهو السجود، ولولا أنك لقال رأيتها أو رأيتهن ساجدة أو ساجدات. وزعمت الفلاسفة المنجمة أن الكواكب والشمس والقمر لها عقل ونطق وإحساس وحياة، وكذبوا وأراد بسجودهم له حقيقة السجود، لأن تحية أهل ذلك الزمان فى اليقظة السجود، وقيل أراد تواضعها ودخولها تحت أمره، وعلى كل فذلك كناية عن علو شأنه.

[12.5]

{ قال يا بنى } تصغير ابن للشفقة أو لصغر سنه، والأصل يا بنيوى بضم الموحدة وفتح النون وإسكان المثناة التحتية وهى للتصغير، وكسر الواو بعد ياء الإضافة، اجتمعت الياء والواو، وسكنت السابقة فقلبت ياء وأدغمت فيها الباء وهى التصغير، وحذفت ياء الإضافة لدلالة الكسرة، وقرأ حفص هنا وفى الصافات بفتح المثناة، كما تقول يا غلام بالفتح تخفيفا عن كسر، أو دلالة على ألف منقبلة عن ياء الإضافة محذوفة. { لا تقصص رؤياك } بألف التأنيث فرقا بين رؤية العام والبصر على ما مر، وقرئ رؤياك بإبدال الهمزة واوا تمد بها الراء، وسمع الكسائى رياك بضم الراء وكسرها وتشديد الياء وهو ضعيف، لأن الواو فى تقديره الهمزة، فلا يقوى إدغامها. وحقيقة الرؤيا انطباع الصورة المنحدرة من أفق المتخيلة إلى الحسن المشترك والصادقة منها، إنما تكون باتصال النفس بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغها من تدبير البدن أدنى فراغ، فيتصور بما فيها مما يليق بها من المعانى الحاصلة هناك، ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشترك، فتصير مشاهدة، ثم إن كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوت إلا بالكلية والجزئية، استغنت الرؤيا عن التعبير، وإلا احتاجت إليه قاله القاضى وهو حسن جدا، والله سبحانه يخلق فى قلب النائم اعتقادات كما يخلقها فى قلب اليقظان. { على إخوتك } يهودا ورويل وشمعون ولاوى وريالون ودينه ودان ويشجر ويفثالى وجاد وأشر، السبعة الأولى من ليا بنت خالة يعقوب، والأربعة الآخرون من سبريتين زلفة وبلهة، فلما توفيت تزوج أختها راحيل، فولدت له بنيامين ويوسف، وقيل جمع بينهما لأنه لم يكن الجمع بين الأختين محرما فى شريعته، والمعنى لا تخبر إخوتك برؤياك لأنهم يعرفون تأويلها. { فيكيدوا لك كيدا } نصب الفعل فى جواب النهى، أى إن قصصتها عليهم كادوك، يعنى يحتالوا فى هلاكك لعلمهم بتأويلها، عرف يعقوب من رؤياه أن يوسف يبلغه الله مبلغا من الحكمة، ويفوقه على إخوته، ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه، فخاف عليه حسد الإخوة وبغيهم، وعدى يكيد باللام لتضمنه معنى فعل قاصر، وهو يحتال كما ذكر، أو يضم أو هى مثلها فى نصحت لك، وشكرت لك، يقال نصحتك ونصحت لك، وكذا فى شكر وكاد. { إن الشيطان للإنسان عدو مبين } ظاهر العداوة أو مظهرها، ألا ترى ما فعل بآدم وحواء فلا يقصر فى تسويلهم، وإثارة الحسد فيهم حتى يحملهم على الكيد، فما أسرع كيدهم إن قصصت عليهم، إذ تجتمع عداوة الحسن ووسوسة العدو القديم، واستدل بعضهم على عدم نبوة إخوة يوسف بما كادوه. وقال ابن زيد إنهم أنبياء، وفعلوا ذلك قبل النبوة، وكذلك إنما يرتعون ويلعبون قبل النبوة، ذكر ابن جرير، وابن المنذر، أن أبا عمرو قيل له كيف تقرأ نرتع ونلعب بالنون وهم أنبياء؟ فقال لم يكونوا يؤمئذ أنبياء، واتفقوا على أنهم صلحاء، واختلفوا فى نبوتهم، ولذلك ذكرهم البوصرى بالصلاح المتفق عليه، لا بالنبوة المختلف فيها، إذ قال وسمعتم بكيد أولاد يعقوب أخاهم وكلهم صلحاء أو لاختياره عدم النبوة، والصحيح أنهم أنبياء، لقوله سبحانه وتعالى

قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط

إذا الأسباط هم أولا يعقوب وإنزال الوحى يخص الأنبياء وقوله

وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط

صفحة غير معروفة