{ ويا قوم اعملوا على مكانتكم } جهتكم التى أنتم عليها من الشرك والمعاصى وعداوتى، فهو تأنيث المكان بمعنى الموضع، أو على تمكنكم وقوتكم فى ذلك، فهو مصدر مسكن الثلاثى، وقيل على حالتكم، وذلك أمر تهديد وتخويف بالعذاب إن تثبتوا على دينهم، وقرأ أبو بكر مكاناتكم بالجمع. { إنى عامل } على مكانتى { فسوف } أدخل الفاء فى الأنعام تنبيها على أن ما بعدها مسبب عن الإصرار على العمل على مكانتهم، ولم يدخلها هنا لأن ما هنا جواب سؤال، كأنه قيل فماذا يكون إن عملنا على مكانتنا وعملت، وللتفنن فى العبادة والبلاغة، والتجريد فى الاستئناف البيانى كما هنا أبلغ فى التهويل، لأنه استئناف محض. { تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه } من مفعول لتعلمون بمعنى تعرفون، وهى موصولة، ويجوز أن تكون استفهامية مبتدأ خبرها الجملة بعدها، والمجموع مفعول ليعلم باقيا على بأنه ساد مسد مفعولين للتعليق { ومن هو كاذب } فى قوله عطف على من يأتيه عذاب يخزيه، ففى هذا أيضا الوجهان الوصل والشرط، وكل من إتيان العذاب المخزى والكذب متعلق بهم، وعائد إليهم، ولكن جاء بهما على طريق المجازاة والتوبيخ، كأنه قال ستعلمون من هو معذب مخزى وكاذب أنا وأنتم، أو الأصل ومن هو صادق ليعلق العذاب المخزى بهم، والصدق به، لكن لما ادعوا كذبه عبر بما ادعوا فكأنه قال ومن هو كاذب فى زعمكم. { وارتقبوا } انتظروا عاقبة أمركم { إنى معكم رقيب } منتظر، وهو فعيل بمعنى مفاعل، فمعناه مراقب كجليس بمعنى مجالس، أو فعيل بمعنى مفتعل، فمعناه مرتقب وهو أنسب لقوله ارتقبوا كالرفيع بمعنى المرتفع، والواضح عندى الوقف على أنى عامل، ثم على رقيب، وزعم بعضهم أن الوقف على رقيب.
[11.94]
{ ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا } ذكره هنا وفى قصة عاد بالواو، وفى قصتى صالح ولو بالفاء، لأنه لم يكن ذلك هنا، وفى قصة عاد بعد ذكر الوعيد فناسب الواو، بخلاف قصتى صالح ولوط فذكر ذلك فيهما بعد ذكر الوعيد بقوله
وعد غير مكذوب
وقوله
إن موعدهم الصبح
فناسب الفاء التى تجئ للسببية. { وأخذت الذين ظلموا } أنفسهم وغيرهم بالشرك والتطفيف وغير ذلك { الصيحة } صاح بهم جبريل من فوقهم صيحة خرجت بها أرواحهم. قال ابن عباس لم تعذب أمتان قط بعذاب واحد إلا قوم صالح وقوم شعيب، أما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم من فوقهم، لم يقل وأخذت قومه الصيحة ليصفهم بالظلم الواجب للأخذ، كما وصف الناجين بالإيمان الموجب للنجاء، وليقابل الإيمان الخالص من الظلم بالظلم الشامل للشرك والمعصية. { فأصبحوا فى ديارهم جاثمين } باركين على الركب ميتين، قيل أصل الجثوم لزوم المكان كاللبود.
[11.95]
{ كأن لم يغنوا فيها } كأنهم لم يلبثوا فى ديارهم قط، وذكر بعض أن الغنى فى المكان اللبث فيه بنعمة وخفض عيش { ألا بعدا } هلاكا كالبعد بفتح الباء والعين، وهما من بعد بكسر العين بمعنى هلك، فالبعد بالضم والإسكان مشترك بين بعد كعلم بمعنى هلك، وبعد ككرم نقيض قرب، أو البعد بفتحتين مختص بالأول وهما مصدران، وأصل الفعلين واحد وهو نقيض القرب، لكن ميزوا البعد الموجب للهلاك بالكسر فى الفعل، ثم استعمل فى نفس الهلاك، أو البعد من جهة الهلاك، فإن الهالك لا يرد كلاما ويتفتت ويغيب بالدفن فلا يرى. { لمدين } لأولاد مدين، أو للقبيلة المسماة باسمه، أو لأهل القرية المسماة باسمه { كما بعدت } هلكت، وقرأ السلمى وأبو حيوة بعدت بضم العين على الأصل اعتبارا لمعنى البعد من غير تمييز للهلاك، كما يقال ذهب فلان ومضى فى معنى الموت. وقال ابن الأنبارى من العرب من يسوى بين الهلاك، والبعد الذى هو ضد القرب فيقول فيهما بعد يبعد ككرم يكرم، وبعد يبعد كعلم يعلم، وقيل المعنى ألا بعدا لمدين من رحمة الله، كما بعدت ثمود منها، ولا يدعى بالبعد نقيض القرب، إلا على مبغض، وشبه هلاك قوم شعيب بهلاك ثمود لأنهما هلكا بالصيحة كما مر.
[11.96]
صفحة غير معروفة