وإلى عاد أخاهم هودا
{ قال يا قوم اعبدوا } وحدوا وأطيعوا { الله ما لكم من إله غيره } تعليل للعبادة. { هو أنشأكم } أوجدكم { من الأرض } بإنشاء أبيكم آدم منها، أو بالتولد من ماء الرجل وماء المرأة ودم الطمث المتولدات من النبات، ومما تولد من النبات المتولد من التراب، ولا بأس بالقول بالتولد على نحو هذه الطريقة، فما هو إلا كقوله
من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة
خلافا لمن توهم، أو التقدير أنشأ أباكم من الأرض، فأنتم منها بوسائط، ولا يخفى أن من للابتداء، وأن الجملة تعليل وبرهان لقوله { ما لكم من إله غيره }. { واستعمركم فيها } أى جعلكم ذوى أعمار فيها، وأحياكم وأبقاكم، وقال الحسن ومجاهد جعلكم عامرين وساكنين فيها، وقال الضحاك أطال أعماركم حتى إن الواحد ليعيش ثلاثمائة سنة إلى ألف سنة، وكذلك كان قوم هود قبلهم، ويجوز أن يكون من قولنا فى الفقه أعمر زيد عمرا داره أى جعلها لعمرو عمرى، أى يسكنها مدة عمره، فالمعنى أنه جعل الأرض عمرى لكم ويرثها بعد انصرافكم، وهو رواية عن مجاهد، أو يجوز أن يكون بمعنى جعلكم معمرين لها تسكنونها مدة أعماركم وتتركونها لغيركم، أو أقدركم على عمارتها وأمركم بها. وقال ابن العربى خلقكم لعمارتها، ولا يصح أن يقال هو طلب من الله لعمارتها كما زعم بعض الشافعية انتهى. وكأنه نفى الصحة من حيث العبارة، أى لا يجوز أن يعبر بذلك، وإلا فمراد ذلك البعض، والله أعلم، أنه أمر بعمارتها، ولكن عبر بلفظ الطلب لمكان السين، والتاء فى قوله تعالى { واستعمركم } ولا شك أن الآية امتنان أكثر ملوك فارس حفر الأنهار، وغرس الأشجار فى طول الأعمار، وفيهم جور، فسأل نبى من أهل زمانهم الله سبحانه وتعالى فى تعميرهم، فأوحى الله إليه أنهم عمروا بلادى فعاش فيها عبادى، وكذا فعل معاوية، وآخر أمره فقيل له فى ذلك، فقال ما حملنى عليه إلا قول القائل
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به ولا يكون له فى الأرض آثار
فاستغفروه من الشرك والذنوب، على أن الخروج من الشرك خروج من الذنوب السابقة كلها. { ثم توبوا إليه } بالعبادات، وقيل استغفروه من الذنوب وتوبوا إليه من الشرك { إن ربى قريب مجيب } قريب من عباده، أى عالم بما يقولون فى دعائهم وغيره، لما كان البعيد منا لا يعلم ما يقول، كنى الله تعالى عن علمه بما يقال بقربه، أو قريب الرحمة سهل المطلب، مجيب لدعاء داعيه، إلا من فر وأعرض عن موجب الرحمة، وتسبب فى عدم الإجابة، والجملة عندى تعليل لما يفهمه الأمر بالاستغفار والتوبة من أنمها يقبلان.
[11.62]
{ قالوا يا صالح قد كنت فينا } متعلق بكنت، أو حال من التاء، أو من المستتر فى قوله { مرجوا } نرجوك أن تكون فينا سيدا مقدما علينا، كما قال ابن عباس والجمهور، أو مستشارا فى الأمور، أو لما نرى فيك من مخايل الرشاد، وقد كان يغنى الفقير، ويعين الضعيف، أو أن توافقنا فى الدين { قبل هذا } قبل ادعائك النبوة، وقد انقطع رجاؤنا عنك بعده. { أتنهانا أن نعبد } عن أن نعبد المضارعان للحال حقيقة { ما يعبد آباؤنا } من الأصنام، وهذا لحكاية الحال الماضية كأنها حاضرة { إننا لفى شك مما } من للابتداء، فإن الشك آتاهم مما دعاهم، أو بمعنى فى متعلق بشك { تدعونا إليه } من التوحيد والأحكام { مريب } أى موقع فى الريب وهو الشك، من أرابه إذا جعله شاكا أو معنى ذى ريبة أى شك، على أن الشك هو بنفسه شاك على الإسناد المجازى، فهو على هذا كقولهم فى المبالغة والتوحيد ليلة لبلاد، وليل لائل.
[11.63]
{ قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى } حجة ويقين على صحة رسالتى { وآتانى منه } عمل أوتى فى ضمير لمسمى واحد، أحدهما المستتر ، والآخر الهاء، وجاز ذلك لأن عمله فى الهاء بواسطة الجار، وأما الياء فلنوح. { رحمة } توفيقا هذا ما ظهر لى، والموجود لغيرى تفسير البينة، وبالبيان وبالصيرة، أو باليقين والبرهان والرحمة بالنبوة، أو بها وبغيرها مما أنعم الله عليه { فمن ينصرنى من الله } أى من يمنعنى من عذابه، ولذلك عدى بمن { إن عصيته } فى التبليغ والدعاء إلى التوحيد، وإنما قال { إن كنت على بينة } بأداة الشك لأنه فى خطاب الجاحدين لكونه على بينة. { فما تزيدوننى } إن اتبعتكم وعصيته، وهذا مستأنف { غير تخسير } منكم لى فى أعمالى بإبطالها وإبطال ثوابها، وبالتعرض للعقاب كالزيادة من غير جنس، المزيد عليه، لأنه ليس فى صالح عليه السلام بشئ ما من خسارة، وذلك وارد، ويجوز أن يكون التخسير للنسبة، فيكون من صالح لهم، أى فما تزيدوننى بشككم وكفركم وردكم على إلا نسبتى لكم إلى الخسارة لقولك فسقته وفجرته تشديدهما، أى نسبته فى الفسق والفجور، وبهذا قال الحسن ابن الفضل.
صفحة غير معروفة