{ وأما الذين فى قلوبهم مرض } شك ونفاق أو شرك، سمى ذلك مرضا لأنه فساد فى القلب يحتاج إلى علاج كالعرض { فزادتهم رجسا } أى كفرا، سمى رجسا تشبيها بالأشياء المتوسخة المنتنة، أو بنفس النجس أو الوسخ، أو لأنه يورث الرجس الذى هو العذاب، كما يطلق لغة على تلك الأشياء يطلق على العذاب { إلى رجسهم } أى مضموما إلى رجسهم السابق على نزولها، أو مع رجسهم، فإنهم كما أنكروا سورة أو آية أو وحيا، أو شكوا فإن إنكارهم وشكهم كفر ازداد، فإن المعصية نكتة سوداء فى القلب تزداد بازدياد المعصية، حتى يسود القلب عكس الطاعة قيل لو شق عن قلب مؤمن لوجد أبيض أو منافق لوجد أسود { وماتوا وهم كافرون } لاستحكام ذلك فيهم.
[9.126]
{ أو لا يرون } أى المنافقون، وقرأ حمزة ويعقوب أولا ترون بالفوقية خطاب للمؤمنين، وقرأ ابن مسعود والأعمش أو لا ترى خطابا للنبى صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح للخطاب، وعن الأعمش أو لم تروا، وعنه أو لم تر { أنهم يفتنون } يختبرون { فى كل عام مرة أو مرتين } بأصناف البلايا كالجوع والقحط والمرض، وقال الحسن، وقتادة بالأمر بالجهاد، فيحضرون الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات والنصر، وقيل بإظهار الله سبحانه وتعالى نفاقهم، قيل هذا أولى مما ذكر. ومن قول بعضهم بأنهم يؤمنون ثم ينافقون، ومن قول بعض بأنهم يعاهدون وينقضون، ويخبر الله نبيه بالنقض، ويعاهدون ينقضون لمناسبته لما تقدم، كأنه قال أفلا يزدجرون مع افتضاحهم، فيعلمون أن أمر محمد حق من الله، وعن حذيفة رضى الله عنه يفتنون بما يشيعه المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأكاذيب. { ثم لا يتوبون } عن نفاقهم ونقض العهد { ولا هم يذكرون } يعتبرون.
[9.127]
{ وإذا ما أنزلت سورة } تعيبهم وتوبيخهم { نظر بعضهم إلى بعض } يتغامزون بالعيون إنكارا لها وسخرية، أو لئلا يغلبهم الضحك فيفتضحون، أو غيظا بها، والتغامز كالقول، فجملة { هل يراكم من أحد } مقولة نظرا، وقد فسره بعض بقال، أو مفسرة أو مقولة لمحذوف، أى يقولون هل يراكم أحد من المؤمنين إن قمتم من حضرة محمد، أو هل يراكم أحد حين تدبرون أموركم، والأول أصح، فإن لم يكن أحد يراهم قاموا لئلا يسمعوا ما يغيظهم كما قال { ثم انصرفوا } عن الحضرة، أى إن لم يرهم أحد، أو عن الإيمان بالسورة، وعن الاهتداء لأنهم إذا فضحوا تعجبوا وتوقفوا ونظروه وتحققوا الأمر، ثم ينصرفوا عن ذلك التوقف، وذلك النظر، وذلك التحقق إلى نفاقهم { صرف الله قلوبهم } عن الإيمان كما انصرفوا عن ذلك، وهو إخبار بدليل قوله { بأنهم قوم لا يفقهون } أى بسبب سوء فهمهم، أو عدم تدبرهم، وقال الشيخ هود رحمه الله إنه دعا دعاء، وعن ابن عباس لا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا قضينا الصلاة، يشير إلى التأدب فى التلفظ.
[9.128]
{ لقد جاءكم رسول من أنفسكم } أو من جنسكم العربى القريشى، ومن جنسكم العربى، ويعلمون أنهم من ولد إسماعيل، ولا قبيلة من العرب إلا وفيها نسبه صلى الله عليه وسلم، ذكره ابن عباس، وما أصاب نسبه سفاح، إن هو إلا عقد كعقد الإسلام فانصروه أيها العرب، فشرفه شرف لكم، فحاسده كحاسد نفسه، وليس بأدناكم فتقولوا إنه ليس بأهل لذلك، مع أن الله هو الذى يعلم حيث يجعل الرسالة. وروى أنه لب بنى هاشم الذين هم لب قريش، الذين هم لب كنانة الذين هم لب ولد إسماعيل وهكذا إلى آدم، وأن ربيعة ومضر من ولد معد بن عدنان، وإليه تنسب قريش، وآمنة ولو كانت قريشية لكنها لها نسب فى الأنصار، والأنصار من اليمن من ولد قحطان، ومع أنه من نسبكم قد جمع ذلك الشرف، وقد قرأ عبد الله بن فسيط بفتح الفاء من أشرفكم وأفضلكم، ورويت هذه القراءة عن فاطمة أيضا، ورواه ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ذكر أبو عمرو، وفى ذلك كله منة على العرب، وقال الزجاج لقد جاءكم أيها الناس رسول من أنفسكم، أى جنسكم الآدمى، ولو كان من الملائكة لضعفتم عن الأخذ عنه. { عزيز } أى شديد نعت لرسول { عليه } متعلق بعزيز { ما } مصدرية { عنتم } أى تعبتم، والمصدر فاعل عزيز، أى شديد عليه عنتكم، أى يشق عليه أن تلقوا مكروها كجهنم، وقتل وأسر، أو عزيز خبر مقدم، والمصدر مبتدأ والجملة نعت. { حريص عليكم } على هدايتكم فى أمر الدين والدنيا { بالمؤمنين } متعلق بقوله { رءوف } وأسقط الأعمش وأهل الكوفة وأبو عمرو الواو { رحيم } الرأفة أشد الرحمة، وأبلغ فى الشفعة، وأرق، وقدمها للفاصلة، وإلا فالصفة العامة قبل الخاصة مثل زيد متكلم فصيح، ولم يجمع الله سبحانه اسمين من أسمائه تعالى لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ قال { رءوف رحيم } قاله الحسين ابن الفضل، ومن أسمائه صلى الله عليه وسلم الماحى، لأنه يمحو الكفر، والحاشر لأنه يحشر الناس على قدمه، والعاقب لأنه آخر الأنبياء.
[10 - سورة يونس]
[10.1]
{ الر } قال ابن عباس، وعلى، وسالم بن عبد الله، وابن جبير، والشعبى معناه أنا الرحمن، وعنهم أنه حروف مقطعة، وعن ابن عباس أنا الله أرى، وعن قتادة اسم للقرآن، وقيل اسم للسورة، وتقدم كلام فى ذلك. وأمال نافع الراء، ليدل على أنها اسم للحرف لا حرف بنفسها، فالاسم راء بالمد أو بالقصر، والمسمى وهو الحرف نفسه، والقياس أن لا تمال، وقد روى عدم المد عنه، واختلف القراء أيضا، والمشهور أن ابن كثير، وقالون، وحفصا لا يميلون، والباقون يميلون، قيل عن ورش بين بين، وقيل لم يمل نافع وابن كثير وحفص، وأمال الباقون إجراءها مجرى الألف المنقلبة عن الياء. ومن صام الأيام البيض من شعبان، وأفطر على خل وبقل، وخبز شعير وملح جريش، واستقبل القبلة، وذكر الله، وصلى على رسوله صلى الله عليه وسلم وآله وصحبه، إلى أن يصلى العشاء، ويسبح ويقدس، ثم يكتب { الر } إلى { أفلا تذكرون } فى قرطاس بماء ورد وزعفران، ويضعه تحت رأسه وينام، وإذا صلى الصبح حمل الكتاب وخرج إلى الناس، ارتفع قدره، وعلا شأنه، وسدد ونطق بالحكمة، وكان مهيبا مقبولا مطاعا. { تلك } إشارة إلى آيات السورة قبل نزولها، كأنها حاضرة مشاهدة، ولذلك إشارة بإشارة البعيد، وقيل هو بمعنى هذه، وقيل إشارة إلى آيات القرآن، وقيل إلى ما نزل منه قبل ذلك، وعد الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء، ولا تغيره الدهور، فذكر الله أنه هو هذا ما بين ما نزل وما ينزل، أو هذه منه، وقيل إشارة إلى آيات الكتب المتقدمة، كالتوراة والإنجيل، ويضعفه أنه لم يتقدم لها ذكر. { آيات الكتاب } القرآن أو السورة { الحكيم } أى ذى الحكمة، نسب إلى الحكمة لاشتماله عليها، فذلك على النسب، أو شبه الكتاب بالحكيم الناطق بحكمته، على طريق الاستعارة المكنية، والقرينة إثبات الحكمة، أو أسند الحكمة إليه تجوزا كقولك نهاره حائم، وليله قائم، أو الحكيم فعيل بمعنى اسم مفعول الرباعى، أى محكم لا ينسخه كتاب، وقيل بمعنى فاعل، لأنه يميز الحق من الباطل. وعن ابن عباس استبعد قريش والعرب أن يبعث الله رسولا من البشر، قال الزجاج حتى قال بعضهم أما وجد الله من يبعث إلا يتيم أبى طالب، أو عجبوا من إخباره بالبعث الذى تضمنته النذارة والبشارة فنزل.
صفحة غير معروفة